2
0
3
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13381
0
12214
0
12138
0
9571
0

محمد نديم *
إن من أعم عافية من داء اعتلّت به مفاصل المجتمع وأوسعها مدى وأسبلها سترًا، إصلاح ما أفسدته أفكارنا وترميم ما أوهتْه عقائدُنا ورتق ما فتقته وجوهُ أنظارنا، إذ رُبّ عقيدة أشد من الجراثيم فتكًا بأعصاب الإنسانية وأنفذ منها ضَررًا بخلاياها وأسبق الشياطين إلى صدع وشائج التآخي فيما بين أهالي الدنى.
أولى بالإنسان اختبارُ ما توارثَه من مواريث أفكاره كلما جالتْ، واستجوابُ ما تداوله من تَرِكات تقاليده مهما شاقتْ، حيث إن المعتقد، على تمكن الاقتناع به، لا يبرْهنُ على صحّته وشرعيته في سريان مفعوله. وإن جُلّ ما يبتلى الناس به من الفتن ثمرات مرود عقائد استُرضِعوا ثديها فتبرمجوا عليها في مآلف صباهم.
إن ما يتصرف به المرء تبع لخواطره وعبد لبنات أفكاره وعلى قدرها ينعم بالاستقامة ويشقى بالانحراف وكل ما يهوى به في هوّته من اضطراب في النفس واختلال في العقل يكون مرده إلى تأويله للأحداث وتفسيره للوقائع. وقد باحت سلسلة من الأبحاث العلمية بأن الإنسان مجبول على جِبلّتين من رشد يرشده وغي يغويه، بيد أن الأوهام في خبثها هي أعظم جناية على نفوس المرء وغيرها فعاد وهو عرضة للزلة والخطأ ومظنة للغواية والشقاء.
يرجع هذا الغي الموفي بأهله على محبس الأفكار من لمعانها وابتداع فيها إلى اعتقاد ملحاح بأن المرء قيمته رهينة ترضية كل ذي شأن في المجتمع، فصار اعتبارُهم ميزان الكرامة ومعيار المكانة. ويجاوره أن يخيَّل إلى الناس أن السؤدد مجناه سباقُ الزمان في نيل المكان والعلى بلوغه بمزاحمة الأقران زحامَ الفرسان في الوغى، حتى أصبحت الحظوة في عيون الناس ناموس الحياة وغاية المطلوبات.
وعلى وتيرة واحدة تضيق الحياة بمن لا يحسب للعواقب حسابًا على قدر ما ينبو به الزمان وتجري الرياح بما لا تشتهي سفينتُه، حتى إذا جدّ جِدُّه في مغالبة ما يقاسي ويكابد ولم يبلغ منه منفذًا، تخرّ عزائمه واهية واهنة فيبيت تبيّته نوائب ويصبح تصبّحه عظائم، فمنهم من يغدو يردّ شقاءه إلى الدهر ويروح ينسب ما يعتريه من الإخفاق إلى نُوَب الليالي وصروف الأيام فيقعد عن تلك قعود الخال عن هموم البال.
ويتوهم طائفة من الناس أن المصائب قُضي عليها أن تنشب فيهم أظافرها بتاتًا، فمنهم من يوطّن نفسه على تلقيها بالجلد ويوطئ سواعده بأحمال من المصاعب أثقل مما يتوهم عروضه عند التحلي بالإقدام على محاربتها، فيرى العسر يسرًا وشَظفَ العيش نعيمًا ورفهًا. وهنالك قضاة وحكام يرون أن من جاز حدَّه وطغا أثره أحق بسياط العقاب منه بتثقيفه رشدًا وتهذيبه عقلًا، ومن حيث نزعوا إلى فكرة العدالة ظاهرًا مهما عادت إلى فئات من الناس ظلمًا باطنًا.
وإن الإنسان بالحق لا يتبصر فيما يدهمه من وقائع الحياة ولا يسخّر له من عقله سُلطانًا، فإن النظر الثاقب مشكاة العقل والعقل مرآة الحياة، فبقدر صفائه تصلح الحال وبقدر غيه تفسد الأحوال، وإن خفة العقل لا تقل في المعنى عن فيروسات فكرية تكبل سعة المدارك كبلًا وتورث الأذهان شتاتًا وتعير الذوات عارًا وتكون للعيون كلالًا وللقلوب ملالًا.
*كاتب هندي