مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري * هناك أناسٌ لا يملكون من الدنيا إلا القليل، لكنهم يملكون قلبًا وا …

أغنياء بالله… ولو سكنت الخصاصة بيوتهم”

منذ أسبوعين

126

0

فاطمة الجباري *

هناك أناسٌ لا يملكون من الدنيا إلا القليل، لكنهم يملكون قلبًا واسعًا كسماءٍ لا تُحدّ.
إذا ضاقت بهم السُبل، اتّسعت أياديهم، وإذا اشتدّت حاجتهم، ازداد عطاؤهم صفاءً وصدقًا.

هؤلاء هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ — القرآن الكريم

ليس عطاؤهم فائضَ مال، ولا ترفَ شعور، بل هو قرارٌ داخلي بأن يكونوا مصدر نورٍ ولو عاشوا في عتمة الحاجة.
يعرفون طعم الحرمان، لذلك يُجيدون تضميد حرمان غيرهم.
جاعوا يومًا، فيُطعمون.
واشتاقوا للعون، فيكونون أول من يُعين.

العطاء عندهم ليس مسألة حسابات، بل مسألة إيمان.
هم لا ينظرون إلى ما يخرج من أيديهم، بل إلى ما يدخل قلوبهم من سكينة.
يذوقون لذّةً لا يعرفها من يعطي من فائضه؛ لذّة الانتصار على النفس، وكسر شُحّها، ومغالبة خوفها من الغد.

وقد صدق الشاعر حين قال:

أُعـطي وأعـلمُ أنَّ الـمالَ ذاهـبةٌ
لـكنَّ مـا عـنـدَ ربِّي لـيسَ يَـنفَـدُ

ما ضرَّ مُعطيًا وإنْ قلَّ الذي بِيَدٍ
إذا الـنوايا إلـى الـرحمنِ تَـصعَدُ

وقال آخر في معنى الإيثار:

أُواسي وإن ضاقَت عليَّ مواردي
ففضلُ العطاءِ النفسَ أولى وأجملُ

أُقـاسـمُ خـبزي والليالـي شحيحـةٌ
لأنَّ غِنى الأرواحِ بالعطفِ يُكملُ

إنهم يعلمون سرًّا عظيمًا:
أن البركة لا تقاس بحجم المال، بل بصدق النية.
وأن اليد التي تعطي وهي محتاجة، يكسوها الله عزًا لا يُرى بالعين، لكنه يُحَسّ في الطمأنينة والرضا.

فيا سابقيـنَ إلى الخيراتِ إن لكمْ
عندَ الإلهِ من الإحسانِ ما ادَّخروا
زرعتمُ البِرَّ في ليلِ الخصاصةِ فاستوى
نورًا يفيضُ، وفي الأرواحِ ينتشرُ

هؤلاء يسابقون بالعطاء لا لأنهم أغنياء، بل لأن قلوبهم أغنى من الدنيا.
يرون أن الحرمان الحقيقي ليس قلة المال، بل قلة الرحمة.
وأن الفقر كل الفقر أن يُغلق الإنسان بابه في وجه محتاجٍ مثله.

سلامٌ على أولئك الذين إذا ضاقت بهم الدنيا، وسّعوها بكرمهم.
وسلامٌ على قلوبٍ آثرت غيرها، فآثرها الله بالرضا..

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود