مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

   د.هاني الغيتاوي*           تتجلّى العلاقة بين السلطة الأبوية وما يُصيب الأبنا …

السلطة الأبوية وتأثيرها على الأدباء والفلاسفة ( 4)

منذ أسبوعين

37

0

   د.هاني الغيتاوي*          

تتجلّى العلاقة بين السلطة الأبوية وما يُصيب الأبناء من يأسٍ واضطراباتٍ نفسيةٍ وسلوكيةٍ بوضوحٍ، حين يغيبُ الدفء الوجداني بين الأب وابنه، وحين تنعدمُ المشاركة والتفهم لحياة الابن ورغباته وميوله، عندئذ تتسع هوة الجفوة ويتنامى السخط في نفس الابن ، لتبرز العقدة الأودبية في أشد صورها حدة .

في هذا السياق ، يمارس الأب سلطته بوصفه الآمر الناهي، متكئًا على يقين راسخٍ بأنه الحاكم المطلق في حياة أبنائه، وأنهم أدوات طيّعة بين يديه يُحرّكهم كيفما شاء  وأينما شاء، ومتى شاء، فلا صوت يعلو على صوته ولا رأي يعتدّ به غير رأيه  رافضًا النقاش، مُنكرًا الاختلاف، مُتربعًا على قمة سلطة لا تعرف الشراكة .

ومن بين من اكتووا بهذه السلطة الأديب والروائي الفرنسي ماري هنري بيل والمعروف بلقب ستندال “، فكانت علاقته بأبيه مضطربة، وطفولته مُثقلة بالبؤس.

كان الأب يرى في ابنه امتدادًا لصورة زوجته التي لم يكن يُكنّ لها ودًا، بل كان يصفها بالدهاء والغل ّ، فانعكس هذا النفور على علاقته بابنه، فتباعدت المسافات بينهما واشتدت الجفوة .

ولم يجد ستندال ملاذًا إلاّ في كنف جده، حيث افتقد الحنان الأبوي، وعاش في ظل أب ٍ مُنعزلٍ مُنغلقٍ، انعكست عزلته على طفولة الابن، فكتب في مذكراته عن طفولة تعيسة شكّلها تزمت الأب وانطواؤه .

وقد تجلّى أثر هذا المناخ الكئيب في أدبه، حيث برزت نزعة التمرد والبحث عن الذات في شخصياته، كما ظل في صراع دائم مع أبيه، رافضًا رؤاه، ومُعارضًا إياه في شتى القضايا الاجتماعية والدينية والسياسية. 

عاش ستندال حياة يغلب عليها الانغلاق، وتشكلت شخصيته على نحو متناقض ومتمرد وكان للأب دورٌ جوهري في صياغة هذه السمات تحت وطأة سلطة أبوية غاشمة أورثته الكآبة والعزلة والمعاناة.

ومن ستندال إلى الأديب الفرنسي ” غوستاف فلوبير ” صاحب رواية ” مدام بوفاري ” الذي لم تكن علاقته بأبيه أقل تعقيدًا، فقد كان الأب مُنصرفًا عن اهتمامات ابنه، غير عابئ بطموحاته الأدبية، بدأ فلوبير أولى تجاربه في الكتابة متأملًا مشاهد المستشفى المقابل لمنزلهم، وهو المستشفى الذي كان يعمل فيه والده الجرّاح.

وقد كتب أولى قصصه مُستلهمًا مشاهد الجُثث التي رآها، فجاء رد الأب قاسيًا ؛ إذ انتزع الأوراق وألقاها في النار، قائلًا:

” الكتابة مهنة الضعفاء والمجانين، أنت خُلقت لتمسك المشرط لا القلم”،  تركت هذه الكلمات جُرحًا غائرًا في نفس فلوبير ، فكتب إلى حبيبته ” لويز كوليه ” معبرًا عن اغترابه : ” كنت إنسانًا بلا هوية، يريد الآخرون أن يُشكلوا له حياته”.

لقد وجد فلوبير عزاءه في والدته التي شجعته، فكانة بمثابة التوازن الذي حال دون انكساره الكامل.

ومع الفيلسوف الفرنسي ” ميشيل فوكو ” تتخذ المُعاناة بُعدًا فكريًا ؛ إذ نشأ في ظل علاقة متوترة مع أبيه الذي أراد له أن يسلك طريق الطب، بينما اختار هو الفلسفة، هذا التمرد لم يكن مجرد اختيار مهني، بل كان موقفًا وجوديًا انعكس في مشروعه الفكري  حيث تناول مفهوم السلطة بوصفها بنية قمعية تتجازوز الإطار العائلي إلى المجتمع بأسره، مؤكدًا أن السلطة الأبوية تُمثل نموذجًا أوليًا لأنماط الهيمنة.

أمّا الفيلسوف “جان جاك روسو ” فقد عانى وجهًا آخر من السلطة الأبوية، لا يتمثل في القسوة أو التسلط ، بل في التخلّي، وهو الذي قال: ” أبٌ واحد خيرٌ من عشرة معلمين” و ” من لا يستطيع أداء واجب الأبوة لا يحق له أن يتزوج ويُنجب”

لم تكن هذه العبارات إلاّ صدى لتجربة شخصية موجعة؛ إذ تخلّى عنه والده وتركه يواجه مصيرًا قاسيًا، تنقل روسو بين الكفالات، حتى انتهى به المطاف في ورشة قاسية المعاملة، حيث ذاق الإهانة والعنف، مما دفعه إلى سلوكيات مُنحرفة كالكذب والسرقة  قبل أن يتمرد هاربًا بحثًا عن الحرية .

غير أن آثار تلك النشأة ظلت تُلاحقه؛ فقد أورثته شعورًا عميقًا بالمهانة والظلم وانعكست على شخصيته التي اتسمت بالتناقض والتمرد، رغم ما بلغه من مجد وشهرة.

لقد ظل يحمل في داخله ظلال طفولة موجعة، وأثر أبٍ تخلى عنه، فتركه يواجه العالم وحيدًا.

*كاتب مصري

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود