مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أبوبكر بن مخاشن * في هذا الزمن الذي تحولت فيه بعض العلاقات إلى سلعة سريعة الاسته …

من الحلم إلى الخلود: ست مراحل تصنع الحب العظيم

منذ أسبوعين

51

0

أبوبكر بن مخاشن *

في هذا الزمن الذي تحولت فيه بعض العلاقات إلى سلعة سريعة الاستهلاك، وإلى عقود مؤقتة تُفسخ بمجرد أول اختبار، يبقى السؤال الذي يطرق باب كل قلب: لماذا تذبل بعض قصص الحب في مهدها، بينما تتحول أخريات إلى ملاذات آمنة لا تعرف النهايات؟

الإجابة لا تكمن في الحظ، ولا في كيمياء الجسد، بل في أن الحب الحقيقي ليس هدية جاهزة نستلمها، إنه مشروع بناء يتطلب عمرًا، الزواج في جوهره، ليس وليمة عرس، بل هو كائن حي: يُحمل، يُولد، ينمو، يمرض، يتعثر، فإن صمد، يخلد.

لأن الحب لا يبدأ كبيرًا، يبدأ حلمًا.

المرحلة الأولى: الحلم الجميل

هل تذكر؟ تلك الأيام التي كان فيها صوته لحنًا لا يُمَلّ، وضحكتها سرًّا لا يُفشى، العلاقات تبدأ دائمًا كقصيدة لم تكتمل بعد، ترى كل شيء شفافًا، كأن القدر رسم لك صورة شريكك بألوان لا تشبه الواقع، في هذه المرحلة، لا ترى عيوبًا، لا تثقل بك هموم الغد، ولا تسأل: “هل سيستمر هذا؟”. أنت تعيش في نشوة المشاعر، حيث الطرف الآخر لوحة خالية من العيوب، كأنه خُلق ليكون نصفك المفقود، لكن الحلم ليس كذبة، هو مجرد غلاف كتاب لم نقرأه بعد، كل ما تحتاجه هو أن تتساءل: هل أنا مستعد لأن أرى ما وراء الغلاف؟

المرحلة الثانية: لحظة سقوط القناع

ثم يأتي الصباح الأول بعد الحلم، تسقط الأقنعة، ليس قناع الخداع، بل قناع المثالية، تبدأ في رؤيته كما هو: عاداته المزعجة، طباعه التي تخالفك، أفكاره التي تصطدم بأفكارك، هنا يبدأ الامتحان الأول: “هل أنا مستعد لأن أحب هذا الإنسان على حقيقته، وليس على صورته التي رسمتها؟”.

في هذه المرحلة، يسأل كل منا نفسه سؤالًا وجوديًا: هل أحببت الإنسان أم أحببت وهمي عنه؟ من يجيب بنعم، يمسك بيد الحب نحو المجهول، ومن يخاف، يبدأ رحلة العودة وحيدًا.

المرحلة الثالثة: العاصفة

هنا.. تسقط معظم القصص، هنا تتحول الاختلافات إلى معارك لا تهدأ، تتكرر المشاكل ذاتها كأنها أغنية مكسورة، البكاء يطول، والصمت يطول أكثر، وطاولات الطعام التي كانت تجمعكما تتحول إلى مسافات، يبدأ الشك في الاختيار، وتُرفع أصابع الاتهام: “أنت المشكلة”.

لكن الحقيقة المؤلمة أن المشكلة ليست في الاختلاف، بل في عدم القدرة على إدارته، نحن نخطئ حين نظن أن الحب يعني التطابق، الحكمة تقول: الحب يعني إدارة الاختلاف.. فن البقاء معًا رغم كل شيء، في هذه العاصفة، تُختبر المعادن الحقيقية، هل أنت من الفولاذ أم من الورق؟

المرحلة الرابعة: النمو بعد الألم

من ينجو من العاصفة، لا يعود كما كان أبدًا، بعد أن تخفت أصوات المعارك، تبدأ مرحلة جديدة: مرحلة رؤية الآخر بعين مختلفة، عين تحاول الفهم لا الاتهام، هنا يتوقفون عن محاولة تغيير بعضهم، ويبدأون في بناء جسور من التفاهم، يتعلمون احترام الحدود، ويدركون أن العفو ليس هزيمة، بل هو أقوى أشكال الحب.

في هذه اللحظة، يبدأ الحب بالنضج، يصبح كالنبيذ الذي يتحسن مع الزمن، لا كالفاكهة التي تتعفن.

المرحلة الخامسة: الحب الحقيقي

بعد أن تمر العلاقة بعواصفها، وتنجو منها، يتحول الحب إلى شيء أعمق، لم يعد مجرد شغف عاطفي ولا اندفاع لحظي، يصبح اختيارًا واعيًا، اختيارًا أن تكون مع هذا الشخص كل صباح رغم معرفتك بكل ما فيه من عيوب، ورغم أنك تراه على حقيقته، الحب هنا ليس شعورًا يغمرك، بل قرار تتخذه يوميًا، هنا يهدأ البحر، ويصبح الحب وطنًا لا نغادره، مهما عصفت بنا الدنيا.

المرحلة السادسة: الحب الخالد

هذه المرحلة لا تصلها كل العلاقات، إنها مرحلة القصص التي تُروى، والأمثلة التي يُحتذى بها ليست لأنها خالية من المشاكل، بل لأن الطرفين تعلّما كيف يواجهان الحياة معًا، يصبح الحب هنا اختيارًا يتجدد كل يوم، وليس مجرد ذكرى عابرة، يصبح الخلود ليس في الزمن، بل في القلب، في نظرة تفهُّم، في يد تمتد في الظلام، في سند لا ينها، هنا تدرك أن الحب لم يكن يومًا في البدايات بل كان دائمًا في النهايات.

خاتمة: الحب ليس وردة، بل شجرة

الحب لا يُقاس ببدايته، بل برحلة تشكيله، الزواج يمر بست مراحل، لكن معظم الأزواج ينفصلون في الثالثة، ليس لأن حبهم كان زائفًا، بل لأنهم لم يعرفوا أن الصراع ليس نهاية الطريق، بل بداية الحقيقي منه.

فمن أراد حبًا يدوم، عليه أن يتقن فن البقاء في العاصفة.. لا الهروب منها. الحب ليس وردة تقطفها، بل شجرة تغرسها، وتسقيها، وتحميها من الرياح، حتى تظل وارفة الظل إلى آخر العمر.

وأنت.. في أي مرحلة أنت الآن؟ وهل تملك الشجاعة لتكمل الرحلة؟

*كاتب يمني

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود