الأكثر مشاهدة

بقلم: أحلام الجهني* هناك، حيثُ يتعانقُ البحرُ مع الضوء، ويتعانقُ الأفقُ مع أمواج …

ميادين جدة: عناوين التجميل ومضامين الجمال

منذ 9 ساعات

25

0

بقلم: أحلام الجهني*

هناك، حيثُ يتعانقُ البحرُ مع الضوء، ويتعانقُ الأفقُ مع أمواج البحر في ليلةٍ يبدو بها القمرُ بدرًا تتكئُ المدينةُ الساحرة على كتف الزمن، وتنهضُ كأنها قصيدةٌ من حجرٍ وبرون.، تُعيدُ تشكيلَ الجمال في عيون العابرين الذين أُسِروا بجمالها.
لا تسيرُ الطرقُ فيها نحو وجهةٍ محددة، بل تنفتحُ على دهشةٍ متجددة في كل منعطف، فكلُّ ميدانٍ فيها يشبهُ صفحةً من كتابٍ بصريٍّ لا يُقرأ بالكلمات، بل يُتأمَّل بالصمت، وكأن رسامًا عالميًا ألقى لوحاته بين صفحات ذلك الكتاب.
لم تكن هذه المدينة يومًا مدينةً عابرة كغيرها من المدن، بل مشروعُ حلمٍ تشكيليٍّ واسع، تحوّل مع الزمن إلى متحفٍ مفتوح يضم مئات المجسمات التي جمّلت كورنيشها وميادينها، حتى غدت المدينةُ معرضًا حيًّا لا تُغلق أبوابه.
في هذا الفضاء المفتوح، تتجاورُ المدارسُ الفنية، من التجريد إلى الهندسة، ومن الرمزية إلى التعبير الوطني، لتصنعَ هويةً بصريةً فريدة لها.

جدة لم تكن حكايتها مع الفن وليدة الصدفة، بل كانت رؤية طموحة بدأت في سبعينيات القرن الماضي، حين قررت عروس البحر الأحمر أن تخلع رداءها التقليدي لتتحول إلى “متحف مفتوح” يضاهي كبرى العواصم العالمية. بدأت القصة عندما آمن الدكتور محمد سعيد فارسي بأن المدينة ليست مجرد كتل خرسانية، جامدة، بل هي كائن حي يحتاج إلى روح، فاستدعى عباقرة النحت من أوروبا ليرسموا ملامح المدينة الجديدة، تلك المدينة التي سترتدي أجمل حلة لتستحق فيما بعد لقب عروس البحر الأحمر، ليتغنى بها الشعراء، ويكتب عنها الأدباء، وتصاغ لجمالها أجمل الروايات.
وقد تغنى الأمير خالد الفيصل في جمالها، وقال:
“تعالي يا هنا قلبي
نجدّد بالهوى ذكرى
جميلة بكل ما فيها
من السقّا إلى الروشان
زمن لا من تذكّرته
أهيم وينتشي عطره
وأقول الله يا جدّة
وحشني حُسنك الفتّان”.

تبدأ رحلتنا البصرية من “ميدان الدراجة” الذي وُلد عام 1982م، ولم يكن مجرد عمل فني، بل كان درسًا مبكرًا في استدامة الموارد؛ فالمصمم الإسباني “خوليو لافوينتي” لم يطلب رخامًا فاخرًا، بل أعاد تدوير بقايا معدات حديدية من خردة إحدى شركات الطرق الصينية، ليصنع دراجة عملاقة بارتفاع خمسة عشر مترًا، كانت في ذلك الوقت تجسد دهشة الانتقال من عصر القوافل إلى عصر السرعة والآلة، حتى صارت هذه الدراجة الثابتة في مكانها دليلًا حيًا للمسافرين القادمين من مكة المكرمة، ورمزًا لمدينة لا تتوقف عن الحركة.

ومن صخب الطرق والحديد، ننتقل إلى هدوء التراث في “ميدان القناديل”، حيث استلهم لافوينتي فكرته من فوانيس الحجاز القديمة التي كانت تُضاء في أزقة منطقة “البلد” لاستقبال ضيوف الرحمن. صُممت هذه القناديل بأطوال متفاوتة لتخلق إيقاعًا بصريًا يحاكي حركة المشاة في الأسواق القديمة، وصُنعت من النحاس لتعكس وهج الشمس نهارًا، بينما تتحول ليلًا إلى مصابيح تبعث الأمان في نفوس العابرين، رابطةً بين حداثة الشارع وعراقة الضيافة العربية.

ولا يتوقف لافوينتي عند هذا الحد، بل يقتحم تفاصيل البيت الجداوي ليحول أدواته اليومية إلى ملاحم بصرية؛ فنرى “ميدان الدلة” بشموخه الذي يفوح منه كرم الضيافة، و**“ميدان المبخرة”** التي ترسل في فضاء المدينة ترحيبًا عطِرًا بكل زائر، ليعلن أن جدة مدينة “تحتفي” بساكنيها بأدق تفاصيلها.

وبالقرب من البحر، تتجلى الروحانية في “ميدان آية الكرسي”، الذي صُمم عام 1980م كتعاون عبقري بين النحت العالمي والخط العربي الأصيل، هنا تحولت أعظم آيات القرآن الكريم إلى كتلة معمارية ثلاثية الأبعاد على شكل سفينة شراعية، ترمز لرحلة الإنسان في بحر الحياة تحت حفظ الله ورعايته، وهي رسالة طمأنينة لكل من يدخل بوابة جدة عبر الميناء، حيث يمتزج فيها الفن باليقين، هذا الامتزاج يكتمل في “ميدان التوحيد” للفنان مصطفى سنبل، الذي صاغ من الحجر والخط العربي هيبة الإيمان في قالب فني مهيب.

أما في شمال المدينة، فيرتفع “ميدان الفلك” كتحية عربية لعلوم النجوم والفضاء، في حقبة كانت فيها الطموحات العربية تعانق السماء،  المجسم الذي يتكون من أسطوانات متداخلة تمثل المدارات الكوكبية، يقدم فلسفة “الحركة السكونية”؛ فالمشاهد يشعر بدوران الأجرام رغم ثبات الحديد، في إشارة إلى نظام الكون الدقيق، وقد كانت المساحات الخضراء حوله بمثابة أولى المتنزهات الثقافية التي احتضنت العوائل الجداوية في أمسياتهم.

ولم تخلُ هذه المسيرة من الجرأة الفنية، كما في “ميدان القبضة” للفنان الفرنسي الشهير “سيزار بالداكيني”، الذي صبّ قالب يده الحقيقية من البرونز الخالص بوزن يتجاوز الأطنان. ورغم الجدل الذي أثاره في بداياته كونه قدّم الفن السريالي الصادم في فضاء عام، إلا أنه أصبح لاحقًا رمزًا لقبضة البناء والعزيمة التي شيدت نهضة المملكة.

ولم يكن سيزار وحده من نقل نبض المتاحف العالمية لشوارعنا، بل شاركه العبقري الإسباني “خوان ميرو” في “ميدان الهندسة” بأسلوبه السريالي الفريد، والبريطاني “هنري مور” الذي ترك لمساته في مجسمات منحنية تحاكي انسيابية الطبيعة والجسد.

وتكتمل اللوحة بـ “ميدان الكرة الأرضية”، الأكبر من نوعه في المنطقة، والذي صنعه لافوينتي من الزجاج والحديد ليضيء ليل جدة بإحداثيات القارات، مؤكدًا على موقع المملكة المركزي في قلب العالم.

واليوم، لا تزال هذه الذاكرة البصرية تنبض بالحياة؛ فما تضرر من عوائد الزمن والرطوبة عادت إليه الروح عبر مبادرات ترميم وطنية كبرى، أعادت تجميع العديد من هذه الروائع في “متحف جدة للمجسمات” بالكورنيش الأوسط (الحمراء)، ليصبح مقصدًا للمشاة وعشاق الجمال. إن هؤلاء الفرسان المبدعين، من لافوينتي وسيزار ومصطفى سنبل وهنري مور، لم يضعوا مجرد كتل صماء، بل تركوا في كل زاوية قصة إنسانية، لتظل ميادين جدة هي اللغة العالمية التي تربط ماضي المدينة العريق بمستقبلها المشرق، شاهدةً على زمنٍ تعانق فيه الفن مع الحضارة على رمال الساحل.

هكذا لم تُبنَ جدة، بل رُسِمت، ولم تُزيَّن، بل أُعيد تخيّلها كقصيدةٍ حجرية، كلُّ مجسمٍ فيها شطرٌ من بيت، وكلُّ ميدانٍ فاصلةٌ بين جملٍ تُروى حكاياتٌ مذهلة، وكلُّ عابرٍ قارئٌ لا يدري من أي سطر يقرأ حكايتها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود