4
0
4
0
2
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13512
0
12341
0
12194
0
9660
0

فاطمة الجباري *
هناك مرحلة من العمرلا تأتي فجأة، بل تتسلل إلينا في هدوء، بـعد سنواتٍ طويلة من الركض، وكأن الـحيـاة تقترب منك، تربت على كتفك، وتهمس في أذنك:
كفى… لقد تعبت بما فيه الكفاية.
لقد أفنيت عمرك تبحث عن الرزق، لا من أجل نفسك وحدها، بل من أجل لقمةٍ كريمة، وبيتٍ دافئ، ومستقبلٍ أكثر أمانًا لمن أحببت. كنت تؤجل راحتك، وتؤخر أحلامك، وتخفي أوجاعك خلف ابتسامة، حتى لا يشعر من حولك بثقل الأيام.
لم تكن تركض خلف المال بقدر ما كنت تركض خلف الطمأنينة التي تمنيتها لأهلك. كنت ترى سعادتهم أغلى من راحتك، وامتلاء موائدهم أعظم من جوعك، وابتساماتهم أثمن من كل أمنيةٍ خبأتها في قلبك.
واليوم…
تقف أمام مرآة العمر، فتلمح في بياض شعرك حكاية السنين، وفي تجاعيد يديك أثر الكفاح، وفي قلبك صوتًا هادئًا يقول:
لقد أديت رسالتك.
وحان الوقت أن تتوقف قليلًا…
أن ترتشف قهوتك على مهل، وأن تستقبل صباحاتك دون عجلة، وأن تعيش ما تبقى من عمرك خفيف القلب، مطمئن الروح، بعيدًا عن سباقٍ استنزف أجمل سنواتك.
لقد جاء دور الحياة لتمنحك شيئًا من الراحة، وجاء دور من أفنيت عمرك من أجلهم ليحيطوك بما كنت تحيطهم به من حب واحتواء.
ليس لأنك تنتظر مقابلًا، فالعطاء الصادق لا يعرف الحساب، ولكن لأن الوفاء أجمل ما تثمره التربية، وأصدق ما يحصده الإنسان بعد رحلةٍ طويلة من البذل.
فهل ينسى الأبناء اليد التي أمسكت بأيديهم أول مرة؟
وهل ينسون من كان يسهر ليناموا، ويتعب ليرتاحوا، ويؤجل أحلامه لتكبر أحلامهم؟
لا…
فالقلوب التي تربّت على الحب لا تنسى، والنفوس الأصيلة لا تجحد المعروف. ومن أدرك قيمة التضحيات، جعل بر والديه شرفًا، لا واجبًا، ووفاءً، لا منّة.
فإذا بلغت هذه المرحلة من العمر، فلا تؤنب نفسك لأنك توقفت عن الركض.
لقد ركضت طويلًا…
وأعطيت كثيرًا…
وحان الوقت أن تمنح نفسك بعضًا مما منحت الآخرين.
تذكر دائمًا أن الراحة بعد الكفاح ليست ترفًا، بل حقٌ أكرم الله به من صدق في سعيه، وأخلص في عطائه.
فما أجمل أن يختم الإنسان رحلة عمره بقلبٍ مطمئن، وأبناءٍ أوفياء، ودعواتٍ صادقة، ورضًا يملأ روحه… فذلك هو الرزق الذي لا يقدَّر بثمن .
*كاتبة من السعودية