مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  نشأت القصيدة العربية مرتبطة بالغناء؛ لأنه الذي يُظهر مدى سلامة الوزن، ولو …

الغناء والقصيدة العربية

منذ 3 سنوات

459

0

 

نشأت القصيدة العربية مرتبطة بالغناء؛ لأنه الذي يُظهر مدى سلامة الوزن، ولو أنني سمعت بعض النقّاد يشيرون إلى أن هناك قصيدة أو شعرًا غير مُغنَّى، وللأسف هذا الرأي غير صحيح؛ لأن القصيدة العربية خُلقَت مغنّاة، ولا يُحدد هذا الموضوع غير الشعراء الذين يكتبونها وينقّحونها ويعملون على ظهورها بما يليق بهم، وعندما رأيت هذا التباين في إحدى ندوات سوق عكاظ مع تأكدي التام بأن القصيدة تُكتب غنائية، فسألت أحد الشعراء الكبار وهو من أعزّ أصدقائي، الشاعر الدكتور سامي غتار الثقفي، وقلت له: عندما تكتب القصيدة هل تُغنّيها أم لا؟ فقال: (قد أكتبها بدون غناء، ولكن عند مراجعة الوزن لا بد أن أُغنّيها للتأكُّد من سلامته).
والحقيقة أن الشاعر مع طول الخبرة يكتب البيت موزونًا؛ لتمرّسه في كتابة الشعر، وعندما يُغنّيه يجده موزونًا، ومن هنا يتضح أن الشعر غنائي منذ القدم ولا يستقيم وزنه وجرسه الموسيقي إلا بالغناء، ولم يكن الشعر العاطفي أو الوجداني هو الغرض الوحيد في هذا الميدان، فالحديث هنا عن مراحل بناء القصيدة عمومًا أيًا كان غرضها، والغناء يرافق مراحل بنائها حتى تنتهي، أما بعد اكتمالها فقد يتغيّر الجرس الموسيقي من شخصٍ لآخر سواءً كان مطربًا أم فنانًا أم غيره، ومن يدّعي أن الشعر يُنظم من غير غناء فهو بعيد كل البعد عن الشعر ولا يعرفه جيدًا وليس بخبير به، وأكرر أن الفيصل في هذا الشأن هم الشعراء أنفسهم، مع قناعتي التامة أن الشعر غنائيٌّ بكل أغراضه، والشاهد أن البيت إذا اختلَّ وزنُه لا يستقيم غناؤه ولا يُستحسن أبدًا، ويدخله الخلل والكسر، ويصبح عيبًا فيه، لذلك الغناء مرتبط بالقصيدة كارتباط الروح بالجسد.
عندما تكتب/ين القصيدة هل تعتمد/ين على غنائها أم أنها تأتي هكذا من غير غناء؟ وجّهت هذا السؤال لشعراء وشاعرات جماعة فرقد الإبداعية بالنادي الأدبي بالطائف، فكانت إجاباتهم كالآتي:
الشاعر محمد الشهراني أجاب ببيت شعر قائلًا:
بين آهٍ بين لاءٍ ونعم

كان عزف العشق من روح النغم

وأضاف أن العرب كانوا يغنّون الشعر ويلحّنونه قبل ظهور علم العروض والتفعيلات التي حدّدها الفراهيدي.
الشاعر يبات من السودان قال:
نعم أترنّم بالمطلع، وربما عزفت عن مطلع القصيدة محتفظًا بالإيقاع في كثير من المرات لآتي بمطلع آخر، حين يكون الإيحاء مواتيًا وأكون في كامل التلقّي من الوحي الشعري.
وأضاف أنه لا يوقعها بحسب التفعيلة، لكن يجتر مطلع القصيدة كأنه ممسك برأس حبل في دلو الماء، يسحبه مترنّمًا بالمطلع حتى يصل للمقطع.
الشاعر مطلق المرزوقي يقول:
هذا يعتمد على الشاعر، فهناك شاعر سليقة، وهذا باللحن يضبط أوزانه، وتجده يترنّم بينه وبين نفسه، وهناك من يأتي معه بلا مقدمات وتكون شعلته التركيب، وهذا ضليع في العروض ومعرفة الوزن دون غناء ولا عناء، وقد يحدد القصيدة ويعرف بحرها من مطلع الشطر الأول.
أما الشاعر طاهر الثقفي فقال:
غناء طبعًا، وإلا خرج عن الشعر.
والشاعرة منى محمد السعيدي قالت:
بعضهم تأتي معهم القصيدة كالشلال وهو يجهل البحور الشعرية ويرجعها لحنًا، وبعضهم يغنيها من البداية ويكمل على هذا المنوال.
الشاعر والناقد الأستاذ / عبد العزيز طياش يرى:
الموسيقى والأذن الموسيقية والسليقة والتّغنّي والترنّم هي من تصنع الذائقة وتُخرج الشّعر كما يجب.
الشاعر عاصم الزهراني قال:
بالنسبة لي تساق کلماتها تباعًا دون لحن.
والشاعر حمد جويبر الحربي يقول:
بالنسبة لي تنغيمها مهم جدًّا؛ حتى أستطيع خلق القصيدة التي أبتغيها.
الشاعر عبد الله بن مليح الأسمري أنشد قائلًا:
أكتب الشعر من صميم فؤادي

وحروفي تنساب خلف حروفي

لا أرى اللحن منهجًا وسبيلا

فالقوافي حصيلتي وقطوفي

وأضاف أن دربة الشاعر تُغنِيه عن اللحن والغناء والترنُّم، فهو يهتم بطول المدة التي يكتب فيها الشعر، وقال: ربما كان الغناء أو اللحن في البدايات.
ومن الواضح ارتباط الغناء بالقصيدة في أغلب إجابات الشعراء والشاعرات، كما أن الدربة والخبرة قد تغني الشاعر أو الشاعرة عن الغناء بسبب طول الممارسة، وهذا شيء طبيعي عند كل خبير في أي مجال كان.

*كاتب سعودي.

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود