5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12142
0
9579
0

أ. رضا آنسته*
بزرقة بحر أخضر حلمت البارحة، قبل النوم بقلیل.. خلعت حذائي، وتركت أصابعي تغوص في حقل الرمل، توهَّجتْ كشموع.. تقدَّمت بطیئاً كسلحفاة، فقست تواً، تحاول أن تهتدي إلى الرحم الذي انبثقت منه… كنت الآن على حافة البحر، تسرَّبت إلى راحة قدمي، برودة لذيذة سرت في ساقي و تسلقتني حتی رأسي.. سكرت، ترنَّحت: البحر! غفوت، وانقطع حلمي.
ظللت ظمآناً، أنتظر یقظتي لأحلم بالبحر، من جدید، لعلَّي في مرة من المرات، أسبح فیه، قبل أن یدركني النوم. استیقظت على رنین المنبِّه، أرتدي ثیابي على عجل، خرجت إلی العمل، والانتظار والشوق یقتلني، لكي أعود للمحاولة معه، حینما یحلُّ المساء… عدت مرهقاً، رمیت نفسي على السریر كخشبة، وحدَّقت في السقف واستأنفت حلمي من جدید، كعادتي في السنوات الثلاث الأخیرة… وبزرقة بحر أخضر.. لكنِّي غفوت وانقطعت رؤیاي، في نومي كنت تائهاً، في صحراء شاسعة، وشفتاي متشققتان، وأقدامي متقرِّحة، أترنَّح من الحمَّی، وأهذي: البحر، البحر، ال…
أيقظني المنبِّه، أرتدي ثیابي علی عجل، في سوق “السيف” التقیت بمراد، متعجّباً، بعد كل هذه السنین… متی عاد من الكويت؟ كم بدا ممتلئاً وجبهته التي انحسر عنها الشعر، متحدّية.. لكن عينيه ما زالتا تشعّان بالدفء والحميميّة. وشوشت معه قلیلاً، وسألني عن “مُنی” سكت.
_ أحمد، منی؟
_ ذهبت إلی الأبد…
يُصدَم!
_ متی؟
أسكت.
_ نَحِلتْ. وجهك شاحب وعیناك جاحظتان، لم أعرفك.
_ قبل ثلاث سنوات رحلت… عفواً أنا مستعجل.
سجَّل رقمي.
تخلَّصت منه. المسكین، كان صدیقاً قدیماً طیّباً، لكن منذ غیابك، لم أعد أستطیع مخالطة الناس، صرت أتجنبهم، وكأنّي ممسوس، جذامي یخافونه. صبرت بصعوبة، حتی انتهاء الدوام. لم تكن بي رغبة للعودة إلی البیت، تجولت في الشوارع، أعد مربعات ودوائر الأرصفة الكالحة، أقتل الوقت… أمشي مسرعاً محاذياً كارون، حتی یحلَّ المساء أسرع، أقتطف أوراقاً من شجرة یوكالیبتوس هنا، ومن زهرة جهنمية مجنونة هناك، محاولاً، عزف لحن یشابه صدی صدفة، عبثاً. تنبسط مظلة المساء، وتغرق المحمرة في صمت حالم، أعود منهكاً، أرتمي علی السرير، كخشبة، أحدق في السقف: البح… یرنُّ هاتفي، لا أعرف الرقم:
_ ألو.
_ مرحباً أحمد، كیفك؟
_ عفواً، من معي؟
_ مراد، یاه، هل نسیت صوتي بهذه السرعة؟
_ألو. ألو .. عفوا صوتك م ت ق ط ع.. ألوو..
أطفئ جهازي.
أحدقًّ في السقف من جدید، لكني لا أستطیع أن أحلم في البحر، أحدقُّ بدقَّة أكثر، لكن دون فائدة، أحاول مرة أخری بإلحاح، ما من نتیجة. نهضت مشوّشاً، القلق یقتلني… أذرع الغرفة.. قرب الفجر أسقط علی وجهي، بعد أن تنتهي منّي آخر علبة بیرة في الثلاجة. أستيقظ قرب المساء، أستحم، أستلقي مسترخیا ًعلی السریر، أتأمل السقف، لعل البحر یأتي.. تغوص أصابعي في الرمل، تتوهَّج.. یرنُّ هاتفي، مراد مرةأخری، أخرسُه. وأعود إلی السقف من جدید، لكنَّ أناملي انطفأت.
– “اللعنة علیك م.. “
أرتدي ثیابي للخمر، إشتریت دزینة كاملة، عببتها كلها. أستیقظ مساء مصدوعاً، أستحم، أستلقي علی السریر.. البحررر.. تتسرَّب إليَّ برودة موجة منسیة…
طق. طق..
تنحسر الموجة.
– مراد! كیف عثرت على عنواني؟
_ لیس هذا مهماً الآن، ارتدي ثیابك، لنخرج، سنسهر سهرة لطیفة، أنا وأنت وأحلام.. لقد طارت فرحاً عندما قلت لها إني التقیت بك.
_ عفواً، لیس لدي مزاج، مرهق. علي الذهاب إلی الدوام مبكراً.
تفشل كل محاولاته المصرّة كشریط لاصق، في سحبي من البيت.
أستلقي، أحدق في الس.. ویأخذني النعاس..
طق طق..
مراد مرة أخری وفي یده قدح:
–یا إلهی، ماذا تفعل هنا؟
_ خذ، إشرب إنك عطشان، والصحراء مطرٌ من شُواظ.
أشرب.. وأشرب .. والقدح لا ینفد… ما أعذبه من ماء!
_ إنه البحر…
أستيقظ علی رنین المنبّه، وبي حسرة، وفمي فیه ملوحة حلوة! ألبس ثیابي، في الطریق ألتقي بمراد، أتوقف عنده، وأدعوه إلی الخروج مساء، إلتقينا في مقهى على الشط، عَبِقاً بصوت يأتي من الفردوس:
_ “شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك..“
على الضفة الأخرى لاح “كوت الشيخ” ملعب طفولتنا، بعد سنوات الحرب، كذكرى باهتة…
_ خذ أحمد
_ ما هذه؟
_ إنها صورة لك، أنت ومنی، عندما التقیتما أول مرة، عندالبحر… وعرَّفتكما زوجتي ببعض.. البارحة أحلام، حلمت بأنها تعطیها لمُنی.
أتأمل الصورة ملیاً: منى برغوة جسدها الرخامي، تشع كلؤلؤة في صدفة!
– كنت قد أضعتها، من بین كل صور آلبومنا، بحثت عنها كثیرا… لكني لم أجدها، شكرا لك مراد، عن جد شكرا لكما..
طَلَّةُ منى بعينيها الخضراوين وشعرها الذهبي وبشرتها الدافئة، حوَّلت نظري إلى كارون والسماء الصافية، وسرب من النوارس المنسية تحلق فوقه…
_ لم تخبرني أحمد، كیف رحلت منی؟
_ غَرِقَت.
یُصعَق!
_ متأسف جداً…
_هل أستطيع أن أحتفظ بالصورة؟
_ طبعاً.
_ شكرا لك…
أعود في المساء، وأرتمي كخشبة علی السریر.. أحدق.. یَخطِفُني النعاس.. ينزاح السقف.. تغوص أصابعي في الرمل، تتسرب إلی أعماقي برودة المیاه، وترشقُني موجة بزبدها، أقفز إلی البحر، أترك نفسي عائماً، أطفو كزورق، فوق سطح المیاه، أفتح عیني في الماء:
– مـنی! م.م.م…
أغوص وراءها…
لم أستیقظ بعد تلك الليلة أبدا…
*قاص من إيران