سحابة صيف

عبدالله بن حمدان الفارسي*

في خضم واحتدام الحديث معها من جانب واحد، وفي محاولة مستميتة لإثبات صدق مشاعر لطالما اكتنفتها سنوات ليست بالقصيرة، وأحلام تؤجج مخيلة اليقظة لدي بين الفينة والأخرى، لتعبث بها ما بين الأمل واليأس، مؤملا الذات بلقاء يلوح في الأفق، وإن كان ذلك على صفحات غير الواقع، ولكن ليس للأماني موانئ ترسو فيها طالما يكسوها الأمل، وما إن استشاط الشوق فيها وتمكن منها، أوحت باللقاء وموعده، موعد جردني من كل أجزائي حين تفوهت به، جراءة خجولة لم أعهدها منها، فتكونت عناقيد الفرح نضجًا في قلبي، وغردت بأهازيج السعادة نبضاتي، إن امتزاج الشوق مع باقي المشاعر شكلا فيني صخبا ثائرا، لا يجثو ولا يهدأ، بوصلة أفكاري فقدت اتجاهاتها، ملهمتي شاخت بين الحنايا لهفتي لك، وذبلت بساتين العشق عطشا وشوقا إليك، افترشت الذكرى عقلي وقلبي، وجلبت ما كان وما سيكون، وإن كانت ليست سوى تخيلات من رحم العدم، فضاءات شاسعة من الأحلام، عانقت تلك اللحظة الاستثنائية التي عشتها، وما زلت أتعايش معها، لحظة التكوين الذاتي بالنسبة لي حين دغدغ مسامعي صوتك العذب ممزوجا بترانيم فجرية، مع نسائم ود بوقت السحر، ذلك الهتاف الذي أبت أذناي ألا تشنف إلا به، في الموعد أتت بعنفوان بلهفة..

وجدتها أمامي في ضيافة القدر الذي أتاح لي فرصة اللقاء بها، يا لكرم الصدف حين تجود عليك بما لا تتوقعه، تسبقها رائحتها المعتقة بعطرها الأسطوري، لكنها كانت مثقلة بعباءة الخوف والتردد، تجر سلاسل القلق والتوتر، ارتباك أضفى على الدقائق الأولى من اللقاء، صقيع أطفأ جمرة الشوق والاشتياق، أفقدني لحظة الانتشاء والبهجة، توشحت بالضبابية الأمكنة والأزمنة، توقفت المسافات وباعدت بيننا، رافضة أن يتم الاقتراب، تنادي بتمديد فترة الاغتراب، لم أستدرك الوقت، ولم أستوعب لماذا جليستي لا تجاذبني الكلام إلا همسا وهي بالقرب مني؟ لماذا تختلس النظر إليّ بنظرات خجلى؟ لماذا هي تحاول  قتل الثقة بيننا؟ في حين تتوقد ملامحها ذكاء، وكأنها كالتي تبحث عن نقطة ارتكاز؛ لتعيدها إلى ما كانت عليه قبل الموعد واللقاء، جليستي تختزن أسرار الزمن فيها، تأبى أن تبوح بها، يتغلفها انطواء متعمد، تجتهد أن تحتفظ بما بين السطور، هي استثنائية البهاء، زكية الأنفاس، زاهية الابتسامة، تفوح منها لباقة الحديث الهامس، تشعرك بطيب لحظات السمر معها برغم الانطواء، وجدتها تحفة أندلسية المنشأ، مزهرية مزخرفة بالحياء تحتضن الوجدان، تجاذبك الحديث الصاخب بلغة الهمس، ينبثق من عينيها ضياءٌ زمردي اللون، تهديك ابتسامة هي احتواء لكل تفاصيل المودة، ولكن جليستي ذهبت مع ارتباكها دون اتفاق، سوى تدوين لحظات اللقاء، والعودة إلى ما كان قبله.

*كاتب من سلطنة عمان

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

One Response

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: