الأكثر مشاهدة

أ.د. عبدالرحمن بن حسن المحسني* كنتُ قد قدمت محاضرة في (الصالون الثقافي على فيس ب …

الانفجار القرائي الرقمي: في مساءلة القراءة المعاصرة

منذ 4 أسابيع

52

0

أ.د. عبدالرحمن بن حسن المحسني*

كنتُ قد قدمت محاضرة في (الصالون الثقافي على فيس بوك) في 27/مايو/2015، وكان يشرف عليه الدكتور علي الشعبي رحمه الله، وامتدت المحاضرة إلى ثلاث ساعات تقريباً، سميتها (أمتنا تقرأ: العودة إلى القراءة من بوابة التقنية)، وقد تجاوز المتابعون والمتفاعلون معها في وقتها أكثر من ٣٣٠٠٠ (ثلاثة وثلاثين ألفاً)، وهو رقم كبير بمقاييس الحضور الثقافي التي تشهدها محاضرات النخبة!.

وإن سنوات في (عصر المعرفة) والتسارع المعرفي تعد بعقود بين إنشاء تلك المحاضرة وبين إعادة تحرير القراءة الرقمية المعاصرة في (ثريد) قدمته على تويتر، ونشرته في عدة مواقع تواصل اجتماعي في عام 2022، والأمر يتأكد بهما، وإن كان مستوى وصول المعرفة الرقمية قد تطور، ولا شك، من خلال تجدد عدة وسائل ووسائط. ومن الطبيعي أن تكون له انعكاساته الاجتماعية التي أحسب أنها تستحق عدة دراسات ومقاربات ومؤتمرات لقراءة هذه المتغيرات وتوجيهها.

رؤية المقال هنا ترى أن المجتمعات بدأت تُقْبل على القراءة بشكل كبير ومتزايد بتطور أدوات المعرفة وتجددها، ومن خلال فرض المعرفة على المتلقي ووصولها إليه. وهذا كله يفترض أن ينعكس ذلك على وعي أكبر للمجتمع والإنسانية؛ لأن سنة الله الكونية في جعل المعرفة والقراءة محور التغيير لا تتغير، قال الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون “، وحين أمر الله تعالى في كتابه العزيز بفعل القراءة، ” اقرأ…” كان الأمر مفتوحاً على أفق القراءة الواسع الذي به يكون تكوين الوعي وعمارة الكون أياً كانت آلية هذه القراءة. وقد نزل القرآن العظيم على نبي أمي -على اختلاف المفسرين حول مفهوم الأمية- لكن الله أمره عليه الصلاة و السلام بالقراءة، وكأنه يعلّم الخلق أن أفق القراءة أوسع من أن يختص بالكتاب والقلم، وكان جبريل عليه السلام يتواصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتياً، وهذا يؤكد قيمة التلقي السمعي، وأنه مفتاح القراءة الأساس قبل ارتباط القراءة بالكتاب والمكتوب، ففعل القراءة يتضمن آفاقا أخرى كالقراءة الذهنية والتأمل، إلى ما جاء بعد ذلك من مساحات أوسع للقراءة جاءت تالية لفعل القراءة بآلياتها المعروفة، إلى هذا العصر الذي تعددت فيه منافذ القراءة أمام الأجيال المعاصرة بوسائط ربما لم تسبق. وهو توسع في المفهوم يدعمه أيضاً معجم اللغة الذي يشرك مع القراءة للمكتوب غيرها، وقد ورد في معاجم اللغة مداخل للقراءة تتجاوز المكتوب، مثل:

” قرأ علامات الغضب على وجهه..، قرأ الغيب: تكهن به. قرأ للمستقبل حسابه. قرأ آيات من القرآن: تعلق بألفاظها عن نظر أو عن حفظ..(ابن منظور، لسان العرب، مفردة قرأ)، إلى غيرها من المعاني التي تواردت عليها معاجم اللغة، وهي تكشف توسع مفهوم القراءة عن قراءة المكتوب إلى آفاق أخرى جاءت التقنية باستثارتها وتفعيلها، وأصبحت تصل إلى القارئ وتفرض حضورها عليه.

ظهرت التقنية الحديثة بإتاحات قرائية جعلت أمام المتصفح مساحات أرحب للقراءة وكانت بدايتها مع أجهزة الكمبيوتر التقليدية التي أتاحت للمتصفح المكتبات الشاملة التي تضم عشرات الآلاف من أمّات الكتب التي يمكنه تحميلها على جهازه كالمكتبة الشاملة وكذا الموسوعة الشعرية التي وصلت لمليوني بيت من الشعر، إضافة إلى مؤلفات نشط أصحابها أو من يهتم بإنتاجهم في وضعها على أقراص مدمجة صوتية كمؤلفات الشيخ الشعراوي ودواوين المتنبي والعشماوي وغيرهم، ناهيك عن المحركات البحثية على الشبكات. واستطاعت هذه التقنية أن تقرب المعرفة من المهتمين بها ومن الباحثين الذين وجدوها فرصة سانحة لفتح آفاق معرفية مهمة لتغذية المكتبات الخاصة والعامة بالكتب المفيدة التي كان يحلم البعض باقتنائها فأصبحت عند أطراف أنامله، بيد أن فعل القراءة بقي في إطار النخبوية إلى ما بعد.

تقدم الشركات المعنية بالتقنية مقاربة تاريخية تقوم على مقاربة الحواسب التقنية بأجهزة الاتصال المحمولة في أجهزة كفيلة أن تلغي ما كان يسمى بالحاسب الآلي، وهو تقدم هائل في مسار التقنية الذي يهمنا منه أن نقف على تأثيرها في تعزيز فعل القراءة عند الأجيال المعاصرة. وهو تأثير من وجهة نظري إيجابي وإن جاء أحياناً على حساب الكتاب الورقي، ولا ضير؛ ففعل القراءة كما أسلفنا منفتح على كل الآفاق القرائية المتعددة.

لقد أصبح القارئ الرقمي عبر الأجهزة الإلكترونية قريباً جداً من فعل القراءة، ويستطيع باشتراك زهيد لا يتجاوز قيمة كتاب ورقي واحد أن يتصفح عشرات الكتب والروايات والصحف والمقالات، ويكون حاضراً في وعي ما يحيط به من حركة ثقافية واجتماعية وسياسية، بما يعزز الأمل أن تتحول أجهزة التقنية الحديثة إلي أجهزة داعمة للوعي والقراءة والكتابة. والأمر في هذا متاح إذا ما أرادت الأجيال لذلك أن يكون؛ فالتقنية إذا تجاوزت مرحلة الإدهاش تنقلب عند المستهلك العربي دوماً إلى غاياتها الإيجابية. وهي تقنية مطواعة تخضع للمستهلك في توجيهها حسب حاجاته، إضافة إلى أن مثل هذه التقنيات الحديثة مدعمة ببرامج عالية للتصحيح اللغوي، ولها أثر خفي دقيق في تعزيز الصحة اللغوية إضافة إلى تعزيز فعل القراءة. ثم وصلنا إلى مرحلة أصبحت المعلومة لا يبحث عنها، ولكنها تصل عن طريق التطبيقات الحديثة إلى القارئ دون تخير قارئ بعينه، فحسب المعلومة الاجتماعية المهمة أن توضع على محركات البحث الرقمي لتندفع عبر المنصات إلى ملايين القراء في العالم.

(2)

 أشير هنا إلى تقنية أحسبها شكلت في السنوات الأخيرة منعطفاً تاريخياً مهماً في حركة القراءة العربية وأعني بها تقنية (واتساب)، التي تشكل خطاباً يتشظى في اتجاهات معرفية جديرة بالتأمل والنظر. وهي نموذج على تطبيقات شعبية أخرى لا تقل قيمة وأهمية مثل(سناب شات، وفيس بوك، وتليجرام، وانستجرام..)، ولكني أحسب أنها أكثرها شعبية وتأثيراً.

واتساب (WhatsApp) بحسب موسوعة ويكيبيديا التقنية هو تطبيق تراسل فوري، محتكر، ومتعدد المنصات للهواتف الذكية. ويمكن بالإضافة إلى الرسائل الأساسية للمستخدمين، إرسال الصور، الرسائل الصوتية، الفيديو والوسائط، ولديه أكثر من 2 مليار مستخدم حول العالم اعتبارا من فبراير 2020″ وهي تقنية شكلت منعطفاً جديداً ومهماً أسهم في عودة فعل القراءة باعتباره فعلاً تكوينياً مهماً يشكل وعي المجتمع. وهي تفيد من عدة تقنيات مجتمعة؛ فهي تستخدم خصائص التواصل الكتابي الموجودة في الرسائل النصية “SMS” وخصائص الصورة الموجودة في رسائل “mms”، إضافة إلى اتكاء هذه التقنية على قدرات أجهزة الجوال الذكية في دعم وسائط الملتيميديا الجديدة وما تتيحه شركات الاتصال المتنافسة من قدرات واسعة على استخدام شبكة النت في تدعيم التواصل وفتح روابط المنافذ العالمية والعربية والمحلية الصوتية والصورية، وهذا أعطى لهذا الموقع أهمية كبرى.

ولعلي أؤكد هنا على أن تقنية (واتساب) تحديداً قد فتحت آفاقا قرائية كبيرة أمام المستفيدين، ليس على مستوى النخب فحسب، بل على مستوى المجتمع بكافة أطيافه الاجتماعية، التي بدأت تقضي الساعات الطوال في قراءة للوارد والحالات وما يرتبط بها من روابط وإحالات لا تخلو من الأهمية والجودة في عمومها، وهذا مؤشر جيد له ما بعده.

 إن التصفح الإلكتروني للأجهزة الحديثة أصبح داعماً لا ينكر لفعل القراءة، وهو مظهر بات ملاحظاً حتى في المجالس الخاصة، حين ترى كلاً وقد ترك أحاديث السمر التي قد تمل ليكب على قراءات لا تنقطع من خلال جهازه المحمول، بل تراه يقطّع ساعات الانتظار التي لم تعد صعبة في ظل وجود معطيات قرائية تجعل الوقت يمر سريعاً. وبطبيعة الحال فإن مثل هذا التواصل المنفتح قد لا يخلو من سلبيات اجتماعية قد تظهر، لكن التحكم في مستوى المعرفة أصبح فردياً، فبإمكان المتصفح أن يشغِل وقته بمتابعة تفاهات قرائية، كما أن بإمكانه بالمقابل أن يقرأ في أمّات الكتب وفي مصادر التراث العربي، ناهيك عن الكتب والصحف الحديثة التي لا يستغرق تحميلها سوى ثوان معدودة، بل أصبحت تتخير أجود أخبارها لتقدمه إلى المتلقي.

(3)

لقد استطاع واتساب تقريب المجتمع، إناثه وذكوره، شبابه وكهوله، من فعل القراءة، واستطاعت أن تجعل فعل القراءة متاحاً أمام فئات المجتمع كافة من خلال (قروبات) معرفية لا ننكر دورها في بناء المعرفة. وهي اتجاه قرائي يتشكل في أبعاد علمية مختلفة، حيث ترحل روابط المقالات المهمة عبر القروبات المختلفة لتتخذ مرتكزاً مهماً للنشر والتدويربعيداً عن قيمة المنفذ المعرفي الذي نشرت فيه.

يذكر أن هذه التقنية قد أسقطت الفروق بين النخبة والشعبي بما يستدعي وقفة من دراسات تستقرئ هذا الانفتاح المعرفي عبر هذا الخطاب المهم. وقد تناولتُ في مقالة كنت نشرتها في صحيفة الوطن تفصيلاً لجزئية (الحالة) عند الأدباء خصوصاً، ولاحظت أنها تسترعي اهتماماً من الأدباء يشكل فعلاً جديراً بالتأمل.

قد يقول قائل: إنها قراءات سطحية لا تسهم في النمو المعرفي، ولكن الواقع أنها أكبر من السطحية، وأنها لا تخلو من العمق، بل أصبح المتلقي قائدا ًوموجهاً للمحتوى، بما يمنحه من اهتمام بمحتوى دون غيره، وبما يجعل صانع المحتوى يحاول أن يقدم ما يرتقي إلى مستوى المتلقي العام ويجتذب اهتمامه.

ولعلي أشير هنا أن قيمة مثل هذه المقاربات النقدية تتمثل في حفظها لمسارات التطور في التكوين المعرفي الحديث، وهي تمثل إشارات توثيقية يمكن أن يُبنى عليها في رسم صورة الحركة الأدبية المعاصرة مثلاً، بعد أن تتلاشى هذه التقنيات التي يُفني بعضها بعضا لكن اللغة تبقى حية لا تموت، وهي تمثل محطات يمكن أن تقرأ في اتجاهات ليست على المستوى الأدبي فحسب، بل على المستوى الاجتماعي والفكري.

(4)

ويعود السؤال: هل بقي فعل القراءة خاصا بالمثقف وحده؟! وهل سقطت النخبوية الثقافية إلى غير عودة؟! وهل بقيت مؤسسة أو نخبة ثقافية قادرة على توجيه فعل القراءة وصناعة أدوات التلقي ؟! أو أننا في زمن يحتاج المثقف فيه إلى تغيير أدواته باستمرار، لكي يصنع محتوى قابلا للتمدد ومؤثرا.

أستثني من ذلك المؤسسات الكبرى ذات السيادة التي يمكن أن تقوم بفعل ثقافي تاريخي في صناعة محتوى، وفي حجب محتوى آخر يتناسب مع مجتمعها.

إن مثل هذه الإتاحات المعرفية التقنية تفتح أمام الذهن أسئلة حادة وعدة رؤى أوجزها في الآتي:

هل تستطيع التقنية أن تنتشل أمتنا العربية من وهدتها القرائية؟!

وهل نستطيع- وقد انفتحت المعرفة العالمية أمامنا- أن نكوّن مع العالم بعداً معرفياً يخدم مشاريعنا التنموية العربية؟

وهل نفيد من هذه الفرصة التاريخية التي لم تتكرر في تاريخ الإنسانية تلك التي جعلت المعرفة زلفى ودفعتنا لقراءة منتج المعرفة الإنسانية _ هل نسطيع بعد هذا أن نؤسس لمشروع تجديدي معاصر يمثل إضافتنا حقيقية للمنتج الإنساني؟

(5)

والسؤال الأهم في نظري: هل يمكن أن ترعى المؤسسات الكبرى ذات السيادة خطة لتطوير المحتوى، ويتم ذلك بالتعاون مع الشركات الكبرى التي تمتلك إحصاءات القراءة والمشاهدة والمزاج العام للمتلقي، وتستطيع في هذا أن تتعاون مع من تشاء(فرداً، مؤسسة، شركة..) وفق مصالح مشتركة، لصناعة محتوى يرتقي بالمجتمع، ومحاولات الضغط على محتويات أخرى مؤثرة عليه؟

 إن من المؤكد أن الثقافة قد تحولت، وأن الفرد أصبح محورها، ولكني أجزم أن المؤسسات الكبرى تستطيع بهذا التعاون مع شركات الاتصال الكبرى أن تصنع محتوى يجتذب ذلك الفرد ويوجه المجتمع؛ شريطة وعي كبير بأهمية المحتوى، ووعي مزاج المتلقي، وطرائق صناعة محتوى منافس.

(6)

أختم بالإشارة إلى تنوع القراء في مشاربهم واهتماماتهم القرائية، وهو أمر يقدر، فالباحثون في الجامعات في مسارب التخصصات الدقيقة والعميقة لا يكتفون بهذه المداخل القرائية العامة التي تصنع الوعي العام، ولكنها، بالطبع، لا تصنع معرفة عميقة في دقائق المشروع بحثي، فيحتاج الباحث إلى مكتبات متخصصة ومواقع رقمية خاصة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن المعلومة قد رحلت من الورقية إلى الرقمية، وأن مكتبات العالم قد أصبحت عند أطراف القدرة البحثية، وهذا يستلزم من الجامعات وعياً أكبر بهذا التحول التاريخي، وبالتالي فمن المهم تغيير المسارات البحثية بما يتجاوز تحرير المعرفة العامة إلى تثويرها وتحويلها إلى تنمية علمية متجددة. كما يجدر التنبه إلى مثل هذه المتغيرات على مستوى النص؛ فالباحث-مثلاً– في الشعر العربي الحديث إذا بقي في إطار النشر الورقي، فسيكون البحث مخترماً، حيث نرى رحيلاً شبه كامل للنص الأدبي إلى مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الرقمية على شبكة الإنترنت، وقس على ذلك كل المدونات التي يمكن أن تبنى عليها الاتجاهات البحثية المعاصرة في كل العلوم.

 

 *أستاذ الأدب والنقد/قسم اللغة العربية وآدابها

_جامعة الملك خالد

حرر في 12/3/2022

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود