مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  محمد جبران* بدت نبرة صوته متوترة وهو يقول: أرجوك، توقف، مزاجي أصبح سيئا ل …

ارتهان

منذ 4 سنوات

516

0

 

محمد جبران*

بدت نبرة صوته متوترة وهو يقول:
أرجوك، توقف، مزاجي أصبح سيئا للغاية، لا أستطيع سماع المزيد.
كنت حينها، ممتلئا حماسة وسعادة، أثناء حديثي معه عن ذكرياتنا البعيدة، عن أسفارنا، عن المطارات والمقاهي، عن ردهات الفنادق وسهراتنا الليلية الطويلة -.
بقيت مندهشا لبرهة ثم سألته؛
ما بك؟ ما الذي حدث؟
ركّز نظره على فنجان القهوة الذي أمامه وقال بصوت مرتجف؛
لا أريد سماع أي شيء عن الماضي، أشعر بالخوف من ذلك الحلم اللعين الذي يطاردني باستمرار كلما تذكرت، ولهذا لا أرغب أن أتذكر شيئا.
نظرت إليه بتمعن؛ ملامحه المشدودة وعيونه الفزعة حملت أفكاري بعيدا؛ هل عاوده اضطرابه العاطفي، وأمسكت به هلاوس الكآبة مرة أخرى؟!
تطلع ناحيتي وقد ظن أنه أدرك ما يجول في خاطري، وقال:
لست كما تعتقد، أنا لا أتعاطى شيئا ولله الحمد، لكنني كرهت سماع كلمة سفر بعد أن رحلت زوجتي وتركتني وحيدا في ذلك الفندق المشؤوم…
ما الذي تقوله يا رجل؟! دعك من هذا الهراء.
قال لي؛ اسمعني جيدا، سأبوح لك سراً أثقل على صدري، وعجزت أن أحكيه لأحد، سأرويه لك من البداية؛
كان كل شيء رائعا في حياتي، كانت زوجتي بمثابة الصديقة والحبيبة، وفي يوم من الأيام، خططنا سويا لقضاء ليلة عيد زواجنا الثالث في إحدى المنتجعات السياحية، وصلنا الفندق في ساعة متأخرة من الليل، كنت مرهقا من طول السفر، وهي كذلك، استلقينا على السرير ونمنا من فورنا.. وقبل بزوغ الفجر استيقظت فزعا؛ زارني في المنام حلم فضيع.. حلم أصابني بالجنون، رأيتها تقدم نفسها لرجل غريب، استبد بي الغضب، ألقيت نظرة على جسدها العاري، كانت ترقد مسترخية، تملكتني الرغبة في الانتقام…
حاول كبح دموعه لكنها غلبته، وسقطت حباتها الساخنة على شفتيه المرتجفة، مسح أنفه ثم أكمل؛
كانت المسافة بين السرير والأرض قصيرة، ولم أكن أعلم أن الملاءة التي شددتها حول عنقها كانت أقصر، دفعتها بكلتا يدي خارج السرير، لم تقاوم… في البداية، صدر من فمها صوت يشبه الحشرجة، أعقبه خروج رغوة بيضاء، ملأني الخوف، بكيت كثيرا، سمعت ضجيجا في الخارج، فتحت النافذة، هناك في الأسفل، مجموعة رجال يرتدون ملابس بيضاء، يجوبون حديقة الفندق، عدت إليها، رجوتها أن تبقى، وألا تغادر معهم، دفعوا الباب بقوة، حملها أحدهم، كان أقصرهم، أخذها إلى مكان غير معلوم، قالوا إنها ستكون هناك على خير ما يرام، حاولت الدفاع عنها، ومنعه من أخذها، صرخت في وجوههم، شكلوا حولي نصف دائرة، تحدثوا بلغة غامضة، حقنوني بمادة منومة وأرسلوني إلى مستشفى الأمراض النفسية.. مكثت شهرا خلف جدرانه الرمادية أعاني الفراغ والوحدة…
توجهت إليه بنظري، لم يعد يشعر بوجودي.. تراجع للخلف، أسند رأسه على حافة الكرسي، أغمض عينيه وقال؛
أشعر باشتياق كبير لرؤيتها.. ثم دخل في صمت عميق.. عميق جدا.

 

*كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود