مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أحمد بو قرّاعة* – انظري، عجيبٌ أمرُ ذاك الرّجل، يداه قصيرتان، ويتقنُ الأكل …

ماذا إذا لو

منذ 4 سنوات

357

0

أحمد بو قرّاعة*

– انظري، عجيبٌ أمرُ ذاك الرّجل، يداه قصيرتان، ويتقنُ الأكلَ باليسْرَى إتقانه باليمنَى.
التفتتْ إليهِ زوجتُهُ وكانت تحاذيهِ في مجلسِ فرْحٍ ومأدُبَةٍ وإلى جوارهِمَا بنْتَاهمَا، فقالتْ الزوجةُ:
– وفيم العجبُ فيمَا كانَ لكَ فيهِ عجَبٌ؟ لعلّ العلّةَ اضطرّتْهُ فعلَّمتْهُ، ولعلَّ النّقْصَانَ دفعهُ فدرَّبَهُ، وكذلك شأنُ العلّةِ والنقصَانِ يَخْلُقَانِ الحاجةَ والوسيلَةَ في المعتلِّ صحيحِ النَّظَرِ متعلِّقٍ بالإرادةِ موقِنٍ بالفعْلِ
– نعم، تعلُّقَ يدِكِ بخناقي ما الْتقَطَتْ عَيْنِي لقْطَةً أو نقّطَ لساني على حرفٍ نقطةً، وكذلك شانُ النّسَاء يجمعنَ ملحَ الحدَقَةِ أُجَاجًا يصنعْنَ منهُ توهَّمًا جملةً حذقةً، كالملوكِ إذا دخلوا قريَةً أفسدوها، وهنَّ كذلكَ يفْعلْنَ.
– ولم الهربُ ممَّا أنت قد أبصرْتَهُ فحرَّكْتَ بهِ لسانكَ وعجلْتَ بهِ وأثرْتَهُ؟ أَكُلَّمَا مُهِّدَتْ للقوْلِ طريقٌ عوّجَهَا لسان وحفَّرَهَا منطقٌ وكذلكَ اللّسان، كأنّهُ لا يستقيمُ إلّا في الفساد، وما رأيتٌ في الرَّجُلِ ذاكَ فَسَادَ يدٍ، وإنِّي قد حاولتُ بيسرايَ الطَّويلَة مَا أتقنَ بيسراهُ القصيرة فتباطأتْ وارتعشَ الحساءُ في الملعقةِ لولا أنّي طاطأتُ الرّأسَ ووسّعْتُ الفمَ وعوّجْتُ الشَّفَتَيْنِ، وإنّي على ذلك حتَّى تستقيمَ هذهِ اليسرى وتشتدَّ وتروضَ الطّريق.

حاول الزّوج أن يصعّدَ الحساء إلى فمه فما طاوعتْ ملعقةٌ أصابعهُ وتشابكتْ الوسطى مع السّبابة ونفر الإبهامُ منهما فلم يستطعْ عليهَا ضغطًا أو لهَا ضبطًا، واجْتَمعتْ على الملْعقةِ كلُّ أصابعهِ وما توسّطتْ طريقًا حتّى مالتْ وشوّهَتْ فمهُ بمَا أسالت وثوبَهُ بمَا قطَّرتْ وأفْلَتَتْ فضحكتْ صغيرَتُهُ واستحيَتْ من صنيعِهِ كبيرتُهُ، وترَكَ الزّوجُ الملعقةَ يلومُ كلَّ شيءٍ وبنفرُ من كلِّ فعلٍ، ورأتْ زوجَتُهُ فسَادَ رأيِهِ في يقينِهِ بالعجزِ و تركِ المحاولةِ فقالتْ لهُ:

– ما أبعدَ النجاح إلّا ترْكُ المُحاولةِ، وإنِّي محاولة ذلك، وفي ذلك عزْمٌ وحزمٌ وإصرارٌ وإصلاحٌ وكيلُ اللّقْمة وقيسٌ المسافة وتعويدُ هذه اليسرى عليْهِمَا فتَصْلُحُ وتَمْتُنُ وتقْوَى فتَصيرُ كاليمنى أو أشدُّ بأسًا وبطْشًا وأخْذًا ومدًّا، وما هذه اليمنى سوى عادة خلّفتْ اعتقَادًا ترك مشْيًا في طريقٍ أَلِفَتْهَا الأقدام وزيَّنَتْهَا الألسُنُ فخاطتْ خلايَا تلكَ الأدْمغَةِ بخيوطِ الإذعَانِ والدَّعة والقناعة وترك الجهد تظنُّ في ذلكَ كلِّهِ السّليمة العاضَّةِ على الحقِّ ناسيةً أنّ أغلب أسنان البشرِ يُصيبُهَا النَّخرُ والتسوُّسُ.
– ومالي وهذا الجهد الضّائع، وقد رأيتُ ورأى الجميع ما أصاب يدِي وفَمِي وثوْبِي فاضحك الأولَى و ورَّدَ خدَّ الثانية وفكَّ لسانًا كان في فمكِ مدفونًا مقبورًا فصار بما تظُنِّين هوَ الصّوابُ مرْفوعًا، مَا شَكَتْ يمْنَى نَصًبًا ومَا خالفتْ في ذلِكَ طَبيعةً وما رجَتْ يسرى عوضًا أو بدَلاً أو مسَاعدةً، وهلْ أغلبُ النّاس إلّا باليمنى تطْعَمُ وتأخذُ وتعطِي مَا يُسْرَاكَ إلّا سندٌ عندَ حاجة أو ضرورة، وما نحن في حاجةٍ وما اضطرّتنا طبيعة إلى ضرورةٍ.
وغلَتْ المرأةُ ماءً في برمةٍ تحتها سَعير وقودهَا الإصرار والمحاولة، وكادتْ المِلْعقةُ إلى أناملها تطْمَئنُّ، وكادتْ تعرِفُ الطَّرِيقَ، ورأتْ البنتانِ فيها ذلك وتخيَّلَتَا البلوغَ وتصوّرتَا الإصرارَ بوَعْيٍ يَخْلُصُ إلى نتيجَةٍ، فصنعَتَا ما صنعتْ وكثُرَ الضَّحِكُ في حياءٍ، ورَاَى الجيرانُ الفعْلَ فظنُّوهُ لعبًا ولهْوًا، وانتقلَ الأمرُمن طاولةٍ إلى أخرى يفْعَلُ الآكلونَ نفسَ الفعلِ محاولينَ ومعاندينَ فرأوا فيما كانوا يخالفونَ لهوَا ولعبًا وجهدًا وعناءً وجدَّةً وفائدَةً ودعوةً لتمكين جسدٍ من قوّتين لم تأمرِ الطّبيعة بتركِ النّصف أو خذلانهِ، ورأتْ الزّوجةُ ذلكَ فزادَ اصرارهَا وكبُرَ فيهَا الفرحُ باليقينِ وتأكّدتْ الفكرةُ فقالتْ لزوجها:
– ما قد يستعصِي على يُسْرَاكَ، وربّمَا يمينكَ، تقوى عليه هذه المتروكةُ اعتقادًا باطلًا في نقصانهَا، ومَا دعوتَ لترْكِ يمنَى، وهل تعارضت ْقوّة مع أخرى تعاضدها وتكاتفها وتزيدها مناعة، وإن لم يكنْ في الإطعام مشقّةٌ، وإن لم تكن الطَّريقُ إلى الفمِ طويلةٌ وبعيدةٌ وما بها من وهادٍ أو جبالٍ أو مطبٍّ أو حفرٍ فهلْ يَمِينُكَ وحْدَهَا قادرةٌ على حمْلِي وأنَا الصَّغيرَةُ الرّشيقةُ إلى البيت وهي بعيدَةٌ وما الأرض إليها مهادًا؟
– أَأحمِلُكِ مرّتينِ؟هذا القلبُ أنتِ فيه وتكبُرِينَ تجدينَ فيه الماء والغَناء .. ولكن ما أرى هذه اليمنى وحدها قادرة على حملِك ولو كنت بعض أرطالٍ …
– ما وددتُ منك وما طلبْتُ حديثَ قلْبٍ … فماذا إذًا لو اجتمعتْ عليَّ يداكَ … ما الطّبيعةُ يمنى وإنّما هي نشاط، وما أضعف اليسرى سوى ظنِّ الفسادِ فيها رأيًا ضعيفًا دونَ ممارسة النّشاط فيعتَدِلُ الجسمُ و يقوى .. أمَا ترى أن  النّاس في هذا الفرح قد تحوّلوا من اللّهو إلى ما هو أفضلُ منه إذْ عرفوا فيهِ الجدَّ .. وما العببُ إن أُخِذَ النّاسُ جميعا إلى الجدِّ والفائدة باللّهوِ واللّعبِ؟
وكبُرَ الفرَحُ في القاعة وكاد اللّيل يذهبُ كثيرُهُ، واستأنست العائلةُ للمغادرة فالتفتت الزّوجة إلى زوجِها وقالتْ:
– يقيني أنّهُ لو اجتمعتْ عليَّ يداك … ودعْ عنك لسانكَ فإنّه يضرِبُ في كلّ الجهاتِ … وضحكتْ …

*كاتب من تونس

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود