مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شمم الجبوري* دون عراك سرى الدم في عروقها ليناغي كدر الزمان، ويحرق الروح، قبل أن …

حين يرحل الحنان

منذ 4 سنوات

365

0

شمم الجبوري*

دون عراك سرى الدم في عروقها ليناغي كدر الزمان، ويحرق الروح، قبل أن يغفو ماكان في الأمس صاحياً ..
دخلت مسرعة، فزعة، إلى ردهة الطوارئ في المشفى، كل جزء بجسدها كان يرتجف وجلاً، وجهها الشاحب، وهندامها المبعثر بعض الشيء، خصيلات شعر بانت من أطراف الحجاب، اختنقت في الممر من زحمة المرضى والأسرة والستائر والضجيج، حيث إمتزجت رائحة المعقمات بروائح تعرق المارة وأنفاسهم النتنة، تلفتت يميناً ويساراً بعينيها الجاحظتين.
صرخت: ها هو اخي .. همَّت لتحتضنه، أوقفها الطبيب ممسكاً يدها ليبعدها، فجراحه بليغة بعض الشيء
جلست على طرف السرير تتأمله بملابسه الممزقة والملطخة بالدماء، خنقتها عبرة بكاء عميق كأن موعد اجترار الأحزان قد حان.
بجهد إنتشلت نفسها بعد إشارة من الطبيب ليلحقانه.
طوقها زوجها بحنان بين ذراعيه ..
تعالت أصوات صراخ في تلك الردهة، إلتفتت، يبدو أن أحد المرضى قد فارق الحياة، عاودتها رجفة الهلع، اغرورقت عيناها وهي ترى إمرأة مسنة قد إنهارت من وقع الفاجعة .. رددت: يبدو أن المسكينة والدته ..
لحقت بالطبيب هي وزوجها.
قال الطبيب: كما تعلمين أن أخاك تعرض إلى حادث سير، سننقله إلى ردهة العناية المشددة، وإن لزم الأمر قد يحتاج إلى زرع كلى، فكليته تعرضت إلى ضرر كبير.
ردت بحماس: أنا سأهبه كليتي ..
نظر إليها زوجها وفي عينيه شيء من الاعتراض قائلاً: لكن لديكِ بيت وأطفال وزوج ونحتاج وجودك في حياتنا فلا تتسرعي.
صرخت .. نظرت إليه بغضب وقالت: لو بيدي أخبئه في خافقي وبين أضلعي
أخي وحيد الآن، لم يبقى له أحد سواي
قالتها بحزن عميق وتنهيدة أعمق.
بعد أن أكمل الطبيب حديثه تناول مجموعة أوراق غرقت أطرافها ببقع دماء وحقيبة سوداء صغيرة بها بعض المستمسكات الثبوتية والنقود، لكنها استأذنت ورجعت مسرعة لترافق أخاها في تلك الردهة، تاركة زوجها والطبيب يتحدثان بشأن الحادث ..
استلم الزوج تلك الأوراق ولحق بزوجته ليجدها قد جلست على طرف السرير عند أقدامه مطرقة الرأس باكيه بحرقة، تأملها والألم يعتصر فؤاده، ثم نظر إلى الأوراق ..
ركز جيداً، تمتم قائلاً: المسكينة، لقد كانت محملة بأكيال من الصبر والوجل، كأنها عاشت عقداً من الوجع منذ رحيل والديها قبل شهرين .. وبسخاء مفرط تنوي منحه حياتها في الوقت الذي ينوي هو سلب حقوقها .. لقد أنجز الأوراق، ليستغل عاطفتها ويحرمها حقها في الميراث …

 

*كاتبة من العراق

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود