مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمود منصور* في نيسان تربع الدنيا وتلبس ثوبا أخضرا غاية في الروعة، في ذاك الشهر …

المحراث

منذ 3 سنوات

507

0

محمود منصور*

في نيسان تربع الدنيا وتلبس ثوبا أخضرا غاية في الروعة، في ذاك الشهر الجميل يزرع الفلاحون القطن .. يهيئون البذار، ينقعونه بالماء وتفركه أيادي الصبايا بالرماد …

في ذاك العام كان همه الوحيد أن ينال ابنه البكر شهادة الثانوية العامة، ابنه من المتفوقين جدًا .. كان يحلم بأن يصبح ابنه طبيبا مشهورا …

حمل أكياس البذار على الدواب وانطلق باكرا وزوجته إلى الحقل شمالي القرية .. الحقل بعيد نسبياً، يحتاج الماشي إلى نصف ساعة حتى يصل ..

وصل الحقل .. رمى أكياس البذار من ظهر البغال .. بحث في تلك التربة الحمراء وأخرج المحراث المخبأ والنير جهزه وباشر في العمل، وخلفه زوجته تبذر القطن ..

كان فلاحًا نشيطًا .. قال لزوجته حلمي سيتحقق إن شاء الله .. لن أسمح له بأن يفشل ويعود إلى كار قراقوش هذا، إنه عمل متعب ..

هذا العام الحمد لله أمطار آذار كانت جيدة .. بجانب قطعة القطن الزرع الأخضر باشر بالنمو .. جميلة جدًا تلك المساحات .. إنها تنبض بالحياة والأمل بالله بأن القادم أفضل، زمن الإقطاع قد ولى .. وهاهي الأرض قد عادت لأصحابها الأصليين ..

في ذلك العام سينال ابنه أول شهادة .. سوف يرسله إلى الجامعة .. لن يقبل بغير فرع الطب البشري له .. جميل أن يحلم الانسان بالأفضل، والحياة بلا مستقبل مشرق سراب بقيعة يحسبها الظمآن ماء، هو سعيد جدًا بعمله رغم الجهد الكبير الذي يتطلبه كار الحراثة .. ذاك الأفق البعيد يلوح به شر عظيم ..

البلاد ليست على ما يرام .. قالها لزوجته؛ أنا غير مرتاح لما يبث في نشرات الأخبار وكأن شيء خفي يحاك للمنطقة .. تلك الأرض الحمراء الذهبية لن يتركوها تعيش بسلام .. وبعد حين تحققت هواجسه، وأصبحت أرضه خنادق للقتال، وابنه الوحيد غادر الدراسة إلى بلاد الغرب .. جو الرعب هذا سوف يمكث طويلاً في هذه البلاد ..

حزم أمتعته وهاجر وبناته وزوجته تاركاً محراثه مخبأ في جانب ذاك الخندق اللعين.

 

*كاتب من سوريا

تويتر: Mansor1963@

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود