الأيروتيك والعالم العربي

حاتم الشهري*

لقد هالني الأمر حينما دخلت على موقع الشاعرة سوزان عليوان لأقرأ بعض قصائدها، لاسيما بعد أن قال أحد النقاد:  

 من أراد أن يقرأ قصيدة النثر غضة طرية فليقرأ لبنت عليوان.

دخلت على صفحة ديوانها الأول (عصفور الأول) ووجدت شيئا غريبا:

(قصيدة واحدة وحيدة، هي كلّ ما أعترف به الآن، من ديواني الأوّل)

مكانُكَ في المقهى

ليسَ خاليًا

بعد رحيلك

جاءَ عصفورٌ

وجلسَ في ركنِك

أتأمَّلُهُ

من بعيد

مثلما كنتُ أتأمَّلُك

وهو يدخِّنُ سيجارتَهُ

ويشردُ بعينيهِ التائهتيْن

في الدخان.

لقد نسفت كل الديوان الذي صدرعام 1994م، وهذي شجاعة كبيرة منها..ثم قارنت هذاالفعل بما قالته الأستاذة ريحان عن المشهد الروائي السوري حيث قالت في تغريدة لها: (بالمدة الأخيرة قرأت 3 روايات سوريات جميعها منشورة  خلال السنوات الخمس الماضية.. كمية الجنس وصفحات الجنس في الرواية لا تحتمل. جنس المثليين حاضر وبشدة أيضا. ربما مطلوب.. ربما بعد الحرب تحولنا الى أناس اكثر صدقا وإدراكا وربما هي مجرد موضة واعتقاد ان الجنس يجلب المزيد من القرّاء..

في بعض الصفحات الجنس ضرورة وفي البعض الآخر اشعر وكأن اقحامه ضرورة لاستمرار الرواية.. لا ادري. وهو بالمناسبة قاسي ومقزز في بعض الأحيان. بالمقابل قرأت روايات مصرية، وعراقية وفلسطينية أيضا صادرة حديثا… وخلصت إلى أن  اقحام الجنس في الرواية السورية “اوفر”).

جاءت هذه المقارنة بين إنسانة تحذف جميع قصائدها، وتبقى على قصيدة واحدة، وبين أناس يحشون من أجل المزيد من القراء، عليوان تحذف من أجل القارئ، والجماعة الآخرين يستخدمون الجنس من أجل القارئ، ولكن ستان بين الفعلين؛ لقد سألت الصديقة العزيزة فدوى عبود عن رأيها في إقحام الجنس لأجل الجنس فقط فقالت:

(بالنسبة لاستخدام الجنس في الرواية، فقد يكون مقبولاً. لكن ثمة مفترق خطر على الكاتب أن يحذر منه. يتلخص بقول أحد النقاد على الكاتب أن يحذر حتى لا تتحول روايته إلى فيلم بورنو رديء، فالخط الفاصل بين (الأيروتيك بالمعنى الجمالي حيث يكون الجنس متجذراً في قلب الوجود وبين الجنس كفائض بصري-أقول الخط الفاصل رهيف جداً). وثمة فرق بين رواية تقدم الجنس كاستعارة لكائن جميل كرواية ساعي بريد نيرودا، ورواية تقدمه بالشكل المبتذل. لقد قدم هنري ميللر صورة مبتذلة للجنس والمرأة؛ لكن تصدت له الناقدة كيت ميليت في كتابها السياسات الجنسية).

ياليت قومي يعلمون أن استخدامهم للجنس والكلمات الهابطة، ونشر الملفات السرية كملهاة للمتلقي، وأدة جذب للمحتوى، إنها طريقة رخيصة ورديئة جداَ في عالم الكتابة.

إن كاتبًا لا يستطيع جذب القارئ إلا بهذه الأساليب فهو من الكتابة الحقيقية محروم، ومن المشهد الثقافي كله منبوذ.

معرفة ما يُحذف أهم مهارة من ما يُثبت؛ ولكنكم قوم تستعجلون. يقولون يُعرف الكاتب بشدة ما يحذف لا بكثرة ما يكتب.

أشهد على صدق هذه العبارة حينما أتذكر حوليات زهير، والنقط الثلاث عند فرناندو بيسوا في (اللاطمأنينة)؛ فالمترجم يقول: وهذه النقطة دالة على الحذف، وأيضًا ما أراه-حاليًا-عند بافيزي في مذكراته مهنة العيش، فإنك واجد في الهوامش عبارات كتبها المحقق يقول فيها: تم شطب ثمانية أسطر من المخطوطة، وفي صفحة أخرى يقول:

تم شطب خمسة أسطر من المخطوطة، وهكذا فإنك إن تقرأ عشر صفحات تقريبًا إلا، وتجد أن بافيزي قد شطب عدة أسطر.

لقد استوقفني هذا الحديث كثيراً، وهو شطبه لكثير من الأسطر. فقد كان الناقد الداخلي لبافيزي شديد الحدة كما هو عند زهير وبيسوا وكثيرٍ من الأدباء والعلماء.

فأنت ترى القوم يبخسون ما عندهم، ويشطبون من مخطوطاتهم، ويحذفون من أبياتهم، من أجل ماذا؟

من أجل أنهم نقاد من الدرجة الأولى، ويعرفون ما يبقى ليتمّ نسبته إليهم، فأين هذا مما نراه اليوم من كتابات عابرة، وكتبٌ قد شاخت على الأرفف من سوء صنيع كتّابها!

إن كثيرا من كتّاب اليوم يعانون من تضخم الأنا، والنرجسية التي أطاحت بزهرة إبداعهم.

ليتهم يتعلمون فن الحوليات عند زهير، وفن الثلاث نقاط عن بيسوا، وفن الشطب عند بافيزي.

كاتب سعودي*

hattemali@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *