مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد الرياني* شاتنا البيضاءُ الجميلةُ وَلدتْ تيسًا جميلًا مثلها، بدتْ رائعةً وهي …

الوَسْم

منذ سنتين

283

0

محمد الرياني*

شاتنا البيضاءُ الجميلةُ وَلدتْ تيسًا جميلًا مثلها، بدتْ رائعةً وهي تحيطه بحنانها، نلحظ في عينيها البراقتين كل عناوين الحب، كنتُ صغيرًا عندما جاء التيسُ الجميلُ إلى الدنيا، لم يكن لديّ إخوةٌ في بيتنا أو أقرانٌ في محيطي، لا أعلم كيف غُرست محبةُ هذا المخلوق الحيواني في نفسي، رأيتُ فيه أخي الذي يقترب عمره من عمري، ظللتُ أقترب منه ومن أمه كثيرًا، أصحو صباحًا لكي أرى ضرعيها الممتدين نحو فمه لإطعامه، سولتْ لي نفسي ذات صباح كي أشاركَ التيسَ طعامه، سبقته نحو ضرع أمه، كانت في غايةِ الود معي، شعرتُ بأنها تشبه أمي التي جفَّ ضرعها، ما أروعَ طعم الحليبِ من شاتنا الجميلة! شاهدني أحدُهم يومًا وأنا أرضعُ كما التيس الصغير، أفشى سرِّي في قريتنا الصغير، لقبوني بالتيس، كنتُ هادئًا بالفعلِ ومسالمًا في البيت، ازدادتْ حركتي وكأنَّ مفعولَ الحليبِ قد عمل عمله في كيمياء جسدي، لاحظتْ أمي عليَّ هذا السلوك، خرجتُ يومًا في أزقةِ الحي، وجدتُ أطفالَ الحي يطلقون عليَّ لقبَ التيس، ازددتُ عنفًا وتطوَّرَ الأمر لتتحرك كلُّ أطرافي بالقفز والجري والرد على من يؤذيني، لم أعد أذهب إلى ضرعِ الشاةِ لأشربَ حليبها، كبرتُ وكبرتِ الشاةُ وابنها، هزلتْ رجلاي وخفت حركتهما، غبت يومًا عن بيتنا وعدتُ فوجدتُ مائدة من لحمٍ ومرق، عرفتُ فيما بعد أنهم ذبحوا التيس الذي رضعتُ من أمه، انتابني شيء من الشعور بالألم والحزن حتى دمعتْ عيناي، أحسستُ أنني فقدتُ غاليًا، ذهبتُ إلى شاتنا فلم أجدها، قالوا لي إنهم باعوها كي لا ترى مصير ابنها، وقالوا إن الصغيرَ لم يقاوم حدَّ السكين فاستسلم لمصيره، مددتُ لساني وأنا أتذوق طعمَ الحليب الذي رضعته ودخلتُ في نوبةِ بكاء، وقفتُ على الأطلال ومن حولي بقايا العلف الدارسِ وذكرياتي وفي مخيلتي ضرعُ  الشاة، مرَّ بجانبي من ينادي بالتيس، لم يكن يعلم أنني كبرتُ وأصبحتُ عاقلًا رزينًا، هممتُ أن أعودَ لحالةِ الشقاوةِ عندما كنتُ أرضعُ حليبَ الشاةِ وأقفزَ عليه؛ لكنني تراجعتُ وعدتُ نحو أمي، ارتميتُ في حضنها وقد ضمرَ ثدياها أكثر عن ذي قبل، ظلت تمسد على جسدي حتى ذبلتْ قدماي ودخلتُ في حالةٍ من النوم، لم أكن أعلم أنها اللحظةُ الأخيرةُ التي سأفتحُ فيها عينيَّ على رحيل أمي، شعرتُ أنني أعيش وحيدًا في هذا العالم، وعلى لساني حليبُ شاتنا ومن قبله حليب أمي؛ أعني طعمَ حليبها عندما أرضعتني ٩ وبعدما جفَّ ثدياها.

* كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود