678
0
71
0
171
0
28
0
804
0
10
0
71
0
108
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13504
0
13350
0
12187
0
12127
0
9548
0

روان السالم*
نشرت غسيلها كما تُنشر الأخبار في وضح النهار، أمسكت بسلة بلاستيك خضراء يتقاطر منها الماء وثيابٌ متكدّسة في جوفها كفم حوتٍ كبير قد ابتلع أيامًا كاملة من العرق والتعب والخلافات الصغيرة، كانت السلّة أثقل مما ينبغي، لا بسبب الماء وحده، بل بما تحمله من حياةٍ مطويّة تُسحب بثقلها إلى العلن بلا استئذان.
وقفت أم أحمد بهيئتها الثقيلة في شرفة بيتها، تُمسك بين أسنانها طرف جلابيتها المخملية كيلا تبتلّ، التي تحول بينها وبين برد يناير القارص، لقد اعتادت أن ترتديها كل شتاء، لم تغيّرها منذ سنوات كأنها درعٌ ثمين لا يباع ولا يُستبدل.
عجّ المكان برائحة الصابون المحلي، رائحة تعرفها جيدًا تشبه طفولتها أكثر مما تشبه حاضرها، فلعنت برودة الملابس بصوتٍ مسموع كأنها تلعن شيئًا أعمق من البرد.
لم تخشَ أم أحمد أحدًا قط، بل كان جميع من في الحيّ يخشاها، حتى زوجها المسكين، الذي يفضّل أن يرمي بنطاله في الشارع على أن يعطيه لزوجته لتغسله، يعرف أن توقيتها مقدّس وأن الاقتراب منها وهي تنشر الغسيل أشبه بدخول حقل ألغام.
رفعت القطعة الأولى بيديها الممتلئتين وصوت ارتطام أساورها الذهبية ببعضها أثار دوشةً في المشهد، أساور ثقيلة ورثتها عن أمها لا تنزعها حتى أثناء النوم، علّقت قطعة الملابس بملقطٍ خشبيٍّ قديم، متآكل من الشمس والمطر، ثم ألحقتها بقطعةٍ تلو الأخرى، لم تتردّد ولم ترتّب.
لا يهمّها ما يليق عرضه على الحبل وما يجب أن يبقى في قاع السلّة.
حبل غسيلها نفسه مشدود بين جدارين متآكلين، شهِد مواسم كثيرة من الشجارات المكتومة ومن الصلح المؤقّت، يا لحبل الغسيل هذا كم يعرفُ أسرار بيوت أكثر مما يعرفها أصحابها.. تلتقط أصابعها أي شيء حمّالة صدر وردية باهتة، قميص مخطّط تتوسّطه بقعةٌ عنيدة لا تزول، تنّورة سوداء مرقّعة بقطعة قماش مزخرفة لا تشبهها.
لم تبالِ قط كيف سيُقرأ هذا المشهد من الأسفل، من الشارع، من الشرفات المجاورة.
ومن نوافذ البيوت المقابلة، كانت تعرف أن المارّة يتملكهم الفضول لكنها لم تحاول يومًا إخفاءها، تمارس طقسها اليوميّ الذي تنفصل به تمامًا عن العائلة، عن الزوج، عن الأولاد، عن دورها الذي لا يتوقّف.
كثيراً ما تدفن أم أحمد رقّة قلبها وحنيتها في قبر الأسلوب الهمجيّ المتسلّط، لم تكن قاسية بالفطرة لكنها تعلّمت القسوة مبكرًا، كانت ترى في ليونة أمّها سببًا لكل ما حدث لهم، لكل الخذلان، والألم الذي تجرّعوه بصمت. أقسمت يومها ألا تكون مثلها، ألا تبكي أمام أحد، ألا تطلب أي شيء وألا تضعف أبدًا.
كانت يدها تتحرّك آليًا في العصر والنفض والنشر، بينما مذياعها الصغير يصدح بأغانٍ طربية اعتادت سماعها أثناء تأديتها لمهامّ المنزل، صوت أم كلثوم يملأ الفراغ الذي لا تعترف بوجوده، تتفحّص بعينيها الشارع علّها تلتقط أي حدثٍ يصلح للنميمة، فالنميمة من منظورها ليست شرًّا خالصًا، بل وسيلة للتسلية ولممارسة سلطةٍ ما ولو بالكلام.
مرّ جارهم محمود المتديّن، رفع رأسه للحظة، ثم أنزله سريعًا كمن ضبط نفسه متلبسًا بشيءٍ غير لائق، يعرف أم أحمد ويعرف لسانها.. قال بأعلى صوته كأنه يبرّئ نفسه أمام الله قبل الناس:
استغفري الله يا أم أحمد
فردّت عليه بصوتٍ أعلى:
على إييه؟ هو إنت شايفنا عريانين يا حاج؟
ضحك أحد الصبية في الشارع، وأغلق محمود فمه ومضى وهو يتمتم بما لا يُسمع ويهز رأسه يمنةً ويسرى بقلة حيلة.
فهي لا تترك فرصة للحديث أو للنقد، بل تنقضّ عليك لتفترسك بلسانها فقط! وهو كفيل بتقطيعك إربًا وأشلاء دون أن تلمسك.
خرجت جارتها سناء من الشرفة المجاورة، أشعلت سيجارة ونفثت دخانها بتكاسل ثم نظرت إلى الغسيل وقالت باستخفاف:
هو لسه في حد بيلبس كده؟
رمقتها أم أحمد بنظرة تهكّمية فيها من الاحتقار بقدر ما فيها من شفقة:
آه، أنا بلبس كده لا سمح الله!
تعرفُ سناء، وتعرف تعاستها وأن السيجارة ما هي إلا غطاء استغاثة لوحدةٍ لا تصرّح بها.
لم تكن أم أحمد ودودة مع جيرانها، لكنّك تجدها في الأزمات أوّل الحاضرين، في العزيات، الولادات، والزواجات، لا تدع مناسبة اجتماعية إلا وهي جزءٌ منها، تأتي محمّلة بطبق لذيذ وتغادر محمّلة بصواني من الحكايات.
توقّفت يدها فجأة عند قطعةٍ صغيرة، صدريّة طفلٍ باهتة، لا يكاد يُرى الدبّ المبتسم الذي يتوسطها.
ارتعشت أصابعها ارتعاشة خفيفة، كأن شيئًا ما حاول الخروج ثم تراجع لجوفها مرة أخرى، هذهِ القطعة الصغيرة التي كانت تغسلها كلّ مرة، دون أن يرتديها أحد.
تراءى لها طيف أخاها الصغير لتبتلع الذكرى كالعلقم
وعلّقت القطعة بسرعة خشية أن يراها أحد..
عادت قاسية كما كانت..
عادت عالية الصوت..
عادت كما يعهدها الكُل..
حين انتهت، تنهدت بتعب لتنظر إلى الحبل الممتدّ أمامها حاملًا قصص عائلتها الناقصة بلا خجل، لأنها تعلم أن الحبال لا تُستخدم فقط لنشر الغسيل، بل لتعليق كل ما لا يُقال داخل البيوت.
تمشي أم أحمد في الحيّ كعادتها، متناقلةً القيل والقال من بيتٍ إلى بيت، تنشرها تمامًا كما تنشر قطع الملابس على حبل غسيلها..
في وضح النهار..
بلا خوف..
ولا ترتيب.
*كاتبة من السعودية