635
0
804
0
642
0
199
0
388
0
9
0
69
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13503
0
13349
0
12186
0
12126
0
9546
0

عبدالله النصر*
واحةُ الأحساءِ، تبدو نائمةً في احتضانِ الربعِ الخالي، حيثُ تمتدُّ الكثبانُ الرمليةُ المهيبة، تتموجُ تحتَ شمسٍ تميلُ نحو الأفولِ. بين مزارعِ نخيلِها المتراميةِ الأطراف، وقف كويظمُ وطويهرُ، غريبانِ في أرضٍ ألفاها وألفتهم، يسيرانِ على ما كان يومًا شريانًا متشعباً حيًّا، هو نهرُ سليسلَ العظيمُ.
يقول كويظمُ وهو يراقبُ الأفقَ:
– هل تصدّقُ أن النهرَ ما زال هنا؟
ربما ليس ماءً يجري،
بل روحًا تُحركُ الأرضِ.
يردُّ طويهرُ بابتسامةٍ ساخرةٍ:
– هه، النهرُ الآن مجردُ خيال.
لا شيءَ هنا سوى ترابٍ سبخٍ مالحٍ، ونخلٍ ذابلٍ متعطشٍ.
لكن كويظمَ يحدقُ في الأرضِ المليئةِ بتجاعيدِ الزمنِ، ويقولُ بنبرةٍ تتسللُ إليها الحيرةُ:
– وأنا أسمعُ تلك الحكاياتُ التي كان يرويها جدي، بـ(أن النهرَ لا يختفي، بل يختبئُ عندما تصبحُ الأرضُ قاسيةً)..
ألا يمكنِ أن نكونَ نحن من لا نراه؟
يتقدمُ طويهرُ، يدوسُ بحذرٍ على بقايا طحالبٍ تيبستْ ورَمَّدت، ويلتفتُ إلى كويظمَ، قائلاً:
– لماذا تتشبثُ بالخرافاتِ؟!
نحن هنا لأنفسِنا فقط، لنواجهَ هذا الصمتَ،
لا لنصنعَ منه شلالًا من وهمِ.
لكن كويظمَ يصرخُ فجأةً: توقفْ!
طويهرُ يجمّدُ خطواتهُ، ينظرُ حولهُ بارتباكٍ، شيء ما في الهواءِ يتغيرُ.. الرياحُ الخفيفةُ تتحولُ إلى كلماتٍ، كلمات لها صوتٌ أشبهُ بغليانٍ بعيدٍ.. ينحني كويظمُ ويضعُ أذنهُ على وجهِ الأرض، وجههُ يشرقُ بشيءٍ بين الرعبِ والذهولِ:
– إنه هنا!
يقولُ بصوتٍ يختلطُ بين الابتهاجِ والخوفِ.. وطويهرُ يترددُ للحظةٍ، ثم يقتربُ بخطواتٍ ثقيلةٍ.. ينحني بجانبِ كويظمَ، يضعُ يدهُ على التراب.. لا شيءَ.. فقط برودةُ الرمالِ وصمتُ الطبيعةِ.
– هذا ضربٌ من الجنونٌ!
يقولُها طويهرُ بنفادِ صبرٍ.. ويردفُ:
– يبدو أنَّ الذكريات أفسدتْ عقلكَ.
يرفعُ كويظمُ رأسهُ، عيناه تلمعانِ بشيءٍ غريبٍ، يقولُ:
– هل تفسد؟ أم أنها تكشفُ ما لا تريدُ أن تراه؟
الأرضُ تهتزُّ، فجأة. ليس بقوةِ الزلازلِ، بل كأنها تستجيبُ لنداءِ غامضٍ.. الفطورُ الظاهرةُ على سطحِها تبدأُ في الانفتاحِ، ويتسللُ من الأعماقِ بريقُ ماءٍ شاحبٍ، أشبهُ بسرابٍ يعكسُ سماءً لا يراها سوى كويظمَ، الذي يرتفعُ صوتهُ صارخاً:
– سليسلُ يعودُ،
لكنه لا يريدُ الجميعَ..
فقط يريدُ من يؤمنونَ به.
أقدامُ طويهرُ تتراجعُ بضعَ خطواتٍ إلى الوراء، نظراتُه تائهةٌ بين كويظمَ والأرضِ.. ثم يُطلقُ ضحكةً مشوبةً بالخوفِ، ويقولُ:
– هل هذا اختبارٌ؟
هل تريدُ الأرضُ أن تُرينا جنونَنا؟
لكن كويظمَ يتجاهل، فيخطو نحوَ الضوءِ، يبدو كأنهُ منجذبٌ إلى شيءٍ لا يستطيعُ مقاومتَهُ.. يقولُ بهدوءٍ يشبهُ الصلاةَ:
– ليس جنونًا، بل الحقيقةُ..
الأرضُ ليست مجردَ ترابٍ..
هي ذاكرةٌ، ونحن نخافُ الذاكرةَ.
طويهرُ يصرخُ محاولًا إمساكَـهُ:
– عدْ، هذا خطرٌ!
إلا أن قدمي كويظمَ تغوصانِ في الشقِّ، الضوءُ يُخفيهِ شيئًا فشيئًا، يبتلعهُ مع ملامحُه، كأنهُ يعودُ إلى شيءٍ أعمقَ من الزمانِ نفسهِ.. تعقبه لحظةُ صمتٍ خانقٍ تسودُ المكانَ، ثم ينغلقُ الشقُّ ولا يبقى لهُ أثر.
طويهرُ يتجمدُ للحظاتٍ، يستولي عليه ألمُه، فاجعهُ، ذهولهُ، يراقبُ الأرضَ التي التهمتْ صديقَهُ. لم يفهمْ ما حدثَ، لكن شيئًا بداخلهِ يخبرُه أن هذا ليس اختفاءً، بل استدعاءٌ.. الأرضُ لم تردْ كويظمَ فقط، بل شيئًا كان يحملُه معهُ، ثم في خوفٍ يتراجعُ.. ينظرُ حولهُ.. لا وجودَ لكويظمَ، لا وجودَ للماءِ، لا وجودَ لأيِّ شيءٍ سوى الصمتِ وفاجعةِ الاختفاء.
يعودُ أدراجَهُ، يخرجُ من المزرعةِ، حاملاً ألمهُ وخوفه، هارباً نحوَ المدينةِ، حيثُ المباني تتكدّسُ، والوجوهُ المختلفة تمضي كأنها لم تُخلقْ إلا للعبورِ، لا وجه يكترثُ لوجه، ولا نفس تلتفتُ لنفس.. يقفُ عند ساحةٍ مليئةٍ بالناسِ، يراقبُ كل ذلك كأنهُ يراهم للمرةِ الأولى.. يرى عيونًا زائغةً، أياديَ تمتدُّ نحوَ اللا شيءٍ، أصواتًا مختلطةً تثرثرُ بلا معنى.. حدثَ نفسهِ:
– أُدركُ أن سليسلَ لم يجفَّ وحدهُ، بل جفّتْ النفوسُ أيضًا.
– النهرُ لم يختف،
لقد ابتلعهم وابتلع ما يحملون منذ زمنٍ طويلٍ.
يركزُ نظرَهُ على واجهةِ مبنى قديمٍ، كانت هناك لوحةٌ صدئةٌ كُتب عليها بحروفٍ بالكاد تُقرأُ (شركةُ سليسلَ للمياهِ – خصخصةُ المواردِ الوطنيةِ من أجلِ المستقبلِ)، ابتسمَ بسخريةٍ علقميةٍ، أدركَ الحقيقةَ أخيرًا:
– لقد باعوا ماءَهم.. باعوه قطرةً قطرةً، حتى لم يبق منه شيء.
*كاتب من السعودية