86
0
326
1
504
0
518
0
188
0
24
0
19
0
31
0
12
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13336
0
13135
1
12119
0
12053
5
9469
0

فاطمة الدوسري*
فتحت الصفحة الأولى من روايتها على وجه “صويلح” الذي تخطى حاجز الثمانين عامًا ولا يزال يحتفظ بقامته المستقيمة، وملامح طفولية آفلة، وبريق عينيه، وابتسامة تكلست على شفتيه، وذاكرة احتفظت بتاريخ بلدة وساكنيها، ورثها من ألسنة أجدادهم!
مر عليه الزمن وهو قابع في عشته، يزور الجميع ولا يزوره أحد، اعتزل في طرف المزرعة المهجورة التي لم يعد لها وريث مع ثلاث نخلات، وتنور، وجابية عند طرفها بئر عتيق يتدلى في بطنها دلو يئن من القدم، وعنز فنت وامتد نسلها في أخرى!
“صويلح” علامة استفهام كبيرة لم يجب عليها أحد، ولا تثير الدهشة أو الرغبة في المعرفة، فقد اعتادوه منذ عرفوا الحياة، هيئة رجل بين بين، إيماءاته، مشيته، كلماته، يرتدي ملابس الرجال ويسامرهم ويحلق ذقونهم، لكنه لا يصلي معهم بالمسجد!
يطبب الأطفال ويعرف أمراض النساء ويساعد من تحتاج في أعمال المنزل، ويجيد خبز التنور! يقضي أوقات سعيدة معهن، يستمتع بينهن، وهن لا يجدن غضاضة في سؤاله عن أدق تفاصيلهن بلا حرج.
لا يعرف أحد سره إلا طفلة حملتها الأقدار إلى المزرعة المهجورة، تطارد عصفورًا لا يطير ولا يقع، حتى جذبتها رائحة الخبز وتركته! اقتربت من التنور، نظرت نحو العشة، قادها فضولها الطفولي والشمس تلوح بآخر أشعتها إلى داخل العشة شبه المعتمة وجالت نظراتها في الزوايا، أغراها كيس في أحد الأركان وأخذت تفتشه، انتبهت لقدوم صويلح شبه عار نحوها يقطر الماء من رأسه ويديه، صرخت فزعه، وهربت تتعثر خطواتها في الحفر، ومزقت ثيابها الأعواد الجافة وأدمت قدميها! وفقدت عقدها الوحيد!
من يومها لم يسمع أحد صوتها، أخبرهم صويلح أنه تلبسها الجن مع صفرة المغرب ولن تنطق أبدًا.
زوجها أهلها بعد حين لأعمى مر بالبلدة تبحث له أمه عن زوجة، ومضت بحقيقة ترملت على لسانها.
يوم وفاة “صويلح” صعقتهم الحقيقة واحتاروا في غسله وتكفينه؟ رجل أم امرأة؟! وقرروا البحث عن رجل أعمى وامرأة خرساء، ندموا على رحيل ابنتهم الخرساء وزوجها الأعمى!
مرت السنون والأيام وما زال صويلح خرافة تسيطر على أحاديثهم، يقال إن أهل البلدة وجدوا في عشته رفات ملابس نسائية موغلة في القدم وعقد طفلة خرساء، لم يغسلوه ولم يكفنوه وألقوا به في البئر لتصلي عليه الجن!
أغلقت الكاتبة روايتها، وسط تصفيق من الحضور، وهي تبتسم لخيال جدتها الخرساء التي حكت لها.
* كاتبة من السعودية
التعليقات