142
0
514
0
675
0
596
2
435
0
109
0
56
0
72
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12671
0
12199
1
12089
0
11319
5
9057
0

وليد الحداد*
قبل أن أصل إلى هذه اللحظة التي أكتب فيها، كنتُ قد عشتُها كاملةً في خيالي.
أستبق نفسي دائمًا؛ أراها جالسًا في غرفة ضيقة، تمسك القلم كما يُمسك الغريق خشبة نجاة، وتكتب لتتأكد أنها ما زالت حيّة. لم أكن أعرف أن الكتابة نفسها نوعٌ من الاعتراف، ولا أن السرد محاولة متأخرة لتبرئة متهمٍ اسمه: الطفل الذي وُلد في المكان الخطأ.
أعود الآن…
ليس لأن الماضي جميل، بل لأنه عنيد، يرفض أن يُترك خلف الظهر.
وُلدتُ في حضن الجوع، لا مجازًا، بل حقيقةً كاملة الدسم. كانت أمي حين أنجبتني أنحف من دعاء، وكانت الغرفة التي استقبلت صرختي الأولى أضيق من حلم. سقفها منخفض كأنه يخشى أن يسمع الله شكوانا، والجدران ملطخة بسنواتٍ من الصبر، لا تعرف الطلاء لكنها تحفظ الوجوه.
كان الحليب شحيحًا،
والصمت وفيرًا.
أرضع من صدر أمي فأسمع دقات قلبها متقطعة، كأنها تعتذر لي عن العالم قبل أن أراه. لم تقل شيئًا، لكنها كانت تعرف: هذا الطفل سيكبر محمّلًا بما لا يليق بطفولةٍ طبيعية.
كبرتُ قليلًا،
فاكتشفتُ أن الفقر لا يأتي وحده،
إنه يصطحب معه الخجل،
والانتظار،
وتعلُّم كيف تُخفض صوتك حين تطلب حقك،
وكيف تُقنع نفسك أن القليل يكفي،
حتى لا تموت حسرة.
في الحيّ الذي نشأتُ فيه، كانت الشوارع أكثر وفاءً من البشر. تحفظ خطواتنا، تعرف أسماءنا المستعارة، وتشهد على سقوطنا ونهوضنا دون أن تسأل: لماذا؟
الأطفال هناك يكبرون بسرعة مريبة؛
تتساقط طفولتهم كما تتساقط أسنان الحليب،
لا احتفال،
لا دموع،
فقط فراغ جديد في الفم والروح.
أتذكر أول مرة شعرتُ فيها أنني أقلّ..
كان ذلك في المدرسة..
ليس لأنني لم أفهم الدرس،
بل لأن حقيبتي كانت أفقر من بقية الحقائب،
وحذائي أصدق من اللازم،
يُظهر تعبه دون مواربة.
يومها أدركتُ أن المجتمع يعلّمك القسمة منذ الصغر:
هذا ينتمي،
وهذا مؤقت،
وهذا زائد عن الحاجة.
أستبق الزمن مرة أخرى،
وأراني في ممرٍ طويل من الإدارات والأسئلة الرسمية.
يسألونني عن العنوان،
عن الأب،
عن الوظيفة،
عن الماضي،
ولا يسألون أبدًا:
كيف صمدت؟
كأن النجاة ليست إنجازًا،
بل أمر مفروغ منه لا يستحق الذكر.
كبرتُ،
ولم يكبر معي اليقين.
كلما حاولتُ أن أخرج من دائرة الفقر،
شدّني الماضي باسترجاعٍ قاسٍ،
ذكرى ليالٍ بلا عشاء،
صوت أمي وهي تقسّم الخبز كما تُقسَّم الغنائم بعد حرب خاسرة..
صمت أبي حين أدرك أن التعب وحده لا يصنع كرامة في نظر العالم.
قالوا عني:
مشروع متشرد.
قالوا ذلك بسهولة من يملك السقف والمفتاح والوقت.
لم يعرفوا أنني كنت مشروع إنسان
يقاوم فكرة التحول إلى قسوة،
إلى حقد،
إلى نسخة أخرى من العالم الذي آذاني.
كنتُ أخاف أن أصبح ما يظنون..
أخاف أن تنتصر الظروف،
أن يتعوّد القلب على الانكسار،
أن يصبح الجوع مبدأً،
والحرمان هوية.
لذا كنتُ أتمسّك بأشياء صغيرة:
كتاب قديم،
جملة سمعتها صدفة،
نظرة احترام نادرة،
كلها كانت بمثابة حبال نجاة في بحرٍ لا يعترف بالغرقى.
واليوم،
حين أنظر إلى الوراء،
أفهم أن الجريمة لم تكن فقرنا،
ولا تشردنا المحتمل،
ولا ولادتنا في الهامش.
الجريمة الحقيقية كانت في المحاكمة الصامتة،
في تحميل الضحية وزر الطريق،
وفي مطالبة من بدأوا من الصفر
أن يصلوا إلى النهاية ذاتها
دون أن يتعثروا.
ليست الجريمة أن تولد في حضن الجوع،
ولا أن تلقم ثدي الضياع،
الجريمة أن يُطلب منك أن تكون سويًّا
في عالمٍ لم يكن عادلًا معك،
وأن تُحاسَب لأنك نجوت…
لا لأنك أخطأت.
*كاتب من السعودية
التعليقات