477
0
396
0
388
0
165
0
433
0
109
0
56
0
72
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12671
0
12199
1
12089
0
11319
5
9057
0

شذى الجاسر*
الرجل الذي اعتاد أن يدعى “جوزيف” في المدينة يلفظ أنفاسه الأخيرة. لم يكن يوشك على الموت الجسدي، بل كانت روحه هي التي تتلاشى تحت وطأة روتين لا معنى له، وصراعات عقيمة، وعلاقات تنتهي مع انتهاء المصلحة، وألم الفقد الذي جعل منه غريبًا حتى عن نفسه.
ذات يوم أثناء دوامه اقترب منه أحد زملائه ليقول له ممازحًا: “إنك شاب جاد للغاية في كل شيء حتى في عملك. كريم وخدوم جدًا مع أصحابك”، سقطت هذه الكلمات كالسهم في قلبه قبل عقله، شعر كأن تلك الكلمات نعي له. توقف عن عمله، أغمض عينيه ويداه ترتجف من تلك الفكرة التي سطت على عقله، استرجع بعض ذكرياته، فمنذ وفاتها حقًا توقف عن الحياة وغرق في روتين مميت، من عمله إلى بيته وبعض المكالمات التي تخص عمله الخاص، وأمور تخص الآخرين ينجزها لهم، كرر في نفسه كالآلة… أنا كالآلة… وحين توقفها وارتحالها للعالم الآخر لن يتذكرها أحد.
قرر أن يبحث عن علاج، ليس في مستشفى أو عيادة، بل في رحلة بعيدًا عن كل شيء.. حتى عن نفسه المحطمة. أخذ إجازة مطولة من عمله، حجز تذكرة حيث تكون الجبال الخضراء والسماء الصافية، على أمل أن يجد بين أحضان الطبيعة علاجًا لروحه المتعبة.
في الطائرة، جلس بجانبه رجل هادئ يقرأ كتابًا عن الفلسفة الرواقية -وهي فلسفة يونانية تركز على الأخلاق العملية وتحقيق السعادة من خلال قبول ما لا يمكن تغييره، والعيش وفقًا للطبيعة والعقل، والتركيز على الفضيلة كمبدأ أساسي، وعلى أهمية الانضباط الذاتي، والتحكم في المشاعر، واستغلال الظروف الصعبة لتنمية الشخصية.
كان اسمه خالد.. سأله عن الكتاب وفكرته الأساسية، أجابه: خالد، ثم دخلا بحديث مطول متنوع ليكتشف من خلاله أن خالد كان في رحلة مماثلة قبل سنوات. وعندما أعلن الكابتن عن الوصول للوجهة، وقبل أن ينفصلا في المطار، أعطاه خالد عنوانًا وقال: “إذا أردت العلاج الروحي ورؤية وجه الحقيقة دون أقنعة، اذهب إلى هذا المكان.. إنه ليس فندقًا، بل ملاذ”.
اتبع يوسف نصيحته، وأكمل مسير رحلته بالحافلة إلى قرية تطوقها الحقول والمدرجات الخضراء. هناك، في نهاية طريق ترابي، وصل للمزرعة التي دله عليها خالد، كانت بسيطة يديرها رجل اسمه سليمان. رحب سليمان بيوسف دون أسئلة كثيرة كأنه قرأ معاناته، أعطاه غرفة صغيرة من الطين بجوار حقل الزيتون، عرض عليه أن يساعده في أعمال المزرعة البسيطة والعناية بالحيوانات مقابل المسكن والطعام، وافق يوسف على مضض فهو لا يفقه شيئًا في الزراعة والاعتناء بالحيوانات.
الأيام الأولى كانت صراعًا.. كان يوسف يستيقظ مع الفجر، ليس بسبب المنبه، بل بسبب نداء الديك.
وصوت أجراس الأغنام البعيدة. تعلم في وقت قصير كيف الحصاد، وري النباتات، وجمع البيض. يداه اللتان اعتادتا على لوحة المفاتيح والفأرة، تألمتا من المجرفة والفأس، حتى رسمتا على كفيه لوحة اجتهاده. لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث.. مع كل قطرة ماء من جبينه تسقط على الأرض، كان يشعر أن طبقة من الغبار الداخلي تُغسل، ومع كل غروب شمس يراه من على التلة، كان يشعر أن شيئًا من الضجيج في رأسه يخفت.
في المساء جلس يوسف مع سليمان قرب المدفأة، يشربان شاي الأعشاب. كان سليمان قليل الكلام، لكن كلماته كانت كالنبضات العميقة. قال له ذات ليلة: “الحقيقة ليست فكرة تبحث عنها في الكتب، يا يوسف. الحقيقة هي أن تسمع نفسك عندما تصمت كل الأصوات من حولك. هنا، الأصوات الوحيدة هي صوت الريح في الأشجار، وحفيف أوراق الزيتون، وهمساتك أنت لنفسك”.
مع تقدم الوقت في هذه القرية الريفية واعتياده عليها بدأت تدريجيًا رحلته داخل نفسه. وجد يوسف نفسه يواجه ذكريات الطفولة والشباب، كذلك الأحلام القديمة التي دفنها تحت طموحات المجتمع، خوفه من الفشل، ووحشته العميقة التي لم يعترف بها حتى مع نفسه، كذلك غربة روحه رغم كثرة الناس من حوله، مع كل بذرة يزرعها، وبيض يجمعه، ومع كل عمليات التنظيف للزرع من النباتات الضارة أو للحيوانات، مع كل قطرة ماء تسيل على جبينه، مع كل مرة يرفع نظره تجاه السماء ويسترق النظر من تحت قبعته التي حملت مسؤولية حمايته من أشعة الشمس، وكل رشفة ماء تنعش خلايا جسده.
كان يبكي أحيانًا دون سبب واضح أثناء استلقائه على العشب وتأمل النجوم، أو أثناء حمله حزم الحطب الثقيلة على ظهره. وأحيانًا كان يضحك من أعماق قلبه عندما يلاحق الدجاج، أو يلعب مع جدي صغير في المزرعة وأمه تراقب.
تعرف على أصدقاء جدد من أهل القرية: فاطمة؛ المرأة العجوز التي علمته كيف يميز بين نباتات الشفاء: “كل عِلَّة لها دواء، لكن أعظم الأدوية أن تعرف مكانك في دائرة الحياة”.
ومحمود؛ الراعي الذي كان يغني أغاني قديمة تحكي عن البساطة والحب الضائع، كان صدى صوته الذي يملأ الوديان يحتل جميع خلايا جسد يوسف بشعور يأخذه لذكرياته معها، كان يرى في بسمتها ابتسامة الصباح، وفي صوت ضحكتها تغريد العصافير، وشعرها المتطاير مع نسيم الهواء، وعينيها التي كانت الدنيا بجميع متعها… هكذا ارتسمت بمخيلته وهو يسمع غناء محمود، تنبه من عالمه ذاك عند فرار دمعة من عينيه حينما تبدل المشهد إلى قبر والتربة ترمى عليه. شارك محمود الغناء لينتشر صوته أيضًا أرجاء المكان.
في أحد الأيام أثناء استراحته بعد عمل طويل في المزرعة وتناول طعام غدائه مع سليمان، اقترح عليه الأخير رحلة إلى كهف منعزل بجانب مدخله بحيرة تعكس شكل السماء في الجبل المجاور. وافق يوسف وحددا وقت الانطلاق.
مشيا ساعات حتى وصلا.. داخل المغارة، الظلام يسكن المكان ويتمرد عليه نور خفيف أتى من الخارج، الهدوء وصوت الطبيعة هي لغته. قال سليمان: “اجلس هنا وحدك لبضع ساعات. لا تفعل شيئًا. فقط استمع لنبضات قلبك وركز على تنفسك وتأمل ما حولك”.
جلس يوسف يتأمل كل شيء حوله. في البداية، كان رأسه ممتلئ بالأفكار المتسارعة والصراعات التي مزقت خلايا عقله: العمل، المستقبل، الماضي وذكرياته، وحاضره الذي جعله كالأسير لا يجد طريقًا لافتداء نفسه منه، كانت مشاعره متقلبة ما بين الغضب، والندم، والحزن. بعد مضي ما يقارب الساعة والنصف كانت الدموع تغرق وجنتي يوسف كالطفل الذي وجد أمه بعد أن تاه عنها، تذكر حياته الماضية وذكرياتها المؤلمة، مشاكله، وصراعات العمل، تذكر بسمتها …. نعم، تذكرها، كان يعي تمامًا أن فقدها لم يكن عابرًا، أو حدثًا ينسى مع الزمن، كانت هي الوحيدة القادرة على رمرمة روحه واحتوائها، من بعدها انكشفت جراحه وبدت كمن يرش عليها الملح وعصير الليمون في صدره، بفقدها فقد روحه معها.
شيئًا فشيئًا بدأ عقله يهدأ ويرتب كل الأمور. هدأت عاصفته الذاتية في ذلك الصمت المطلق إلا من صوت الطبيعة، بدأ يسمع دقات قلبه بوضوح. ويستشعر بدقة كل ذرة هواء تدخل جسده وتخرج، ثم سمع صوتًا داخليًا عميقًا، هادئًا، واضحًا، كأنه ينبع من أعماق الأرض، يسأله أسئلة بسيطة لكنها ثقيلة على نفسه وعميقة:
من أنت دون أن تتعلم كيف تكون حيًا؟ نعم حي ترزق!
من أنت بدون أهلك! أصحابك المقربين، وظيفتك التي تعتاش منها؟!
لماذا دفنت نفسك تحت ظلم جدية الحياة ولم تعتدل؟
لم لا تتوازن في طريق حياتك؟
ما الذي يمنعك من أن تعيش لحظاتها السعيدة؟
ما الذي يخيفك؟ وما الأثر الذي تريد أن تتركه في هذا العالم؟
وماذا تريد أن تخبرها به حين تلتقيها في عالم الخلود؟
كرر السؤال الأخير كثيرًا… ماذا سيخبرها… لا شيء!
لم يفعل أي شيء سوى العمل فقط… هذه الحقيقة التي جعلت النور يدخل أعماق روحه.
خرج من المغارة بعد مدة ليست ببسيطة وعيناه تلمعان بدموع لم تكن من الحزن، بل من الوضوح الذي كان بمثابة النظارة له. لم يجد “الحقيقة” كحجر ثمين، بل أدرك أن الحقيقة هي مواجهة الذات، هي الاستمرار في البحث، في السؤال، في الإنصات لصوته الداخلي.
أدرك أن ذاته ليست شيئًا ثابتًا يملكه ولا يمكن تغييره، بل هي نهر متجدد من الأحاسيس والتجارب والوعي، هي رحلة مليئة بالفرح والحزن، ويجب عليه أن ينهي هذه الرحلة وهو فارغ تمامًا، حيث يجب عليه أن يعمل، يعيش لحظات الحياة بحلوها ومرها، أن يسعى في كل طريق، لا يترك أي شيء يخبره عقله به ويتوافق مع أخلاقه دون عمل، حتى مشاعره لا يتركها مختبئة دون التعبير عنها. أدرك أن العلاج الحقيقي هو التصالح مع هذا التدفق، وليس السيطرة عليه، وأن يرحل عن هذه الدنيا وهو فارغ تمامًا فلا فكرة أو شعور محتبسة بداخله، وكيف يستمتع بلحظات حياته.
وجد سليمان يأتي ناحيته مبتسمًا كأنه يعلم وقت خروجه، يحمل بيده كأس عصير رمان طازج أخذه من بائع على الطريق، لم ينطق بكلمة، فقط احتضن سليمان ثم أخذ العصير منه وشكره بابتسامة، أثناء طريق عودتهما ارتشف يوسف من العصير ليتفاجأ أن ذائقته اختلفت كأنه لأول مرة يشرب بها عصير رمان، كان يستشعر كل ذرة منه، حموضته وحلاوته، كانت خلاياه كأنها ترقص انتعاشًا مع كل رشفه، وعند وصولهما للمزرعة أدرك أن ليست حاسة التذوق التي تغيرت لديه بل حتى بصيرته بدأت ترى الأشياء بزاوية أخرى، الأرض لبست اللون الأخضر لتزهو اختيالًا به، زرقة السماء، ابتسامة الشمس، حتى الحيوانات رآها وكأنها تبتسم، أمسك هاتفه، ضغط على زر تشغيله فقد أغلقه منذ ركوبه الحافلة، تجاهل كل الرسائل فتح محادثة خالد وكتب له: “شكرًا على الحياة الجديدة”.
عاد يوسف إلى مدينته بعد ثلاثة أشهر من مغادرتها، بوعي جديد وروح جديدة. لم يعد ذلك الرجل المتعب الذي يحاول الهرب من كل شيء حتى من نفسه. كان يحمل في داخله سلام الريف، وصبر الأرض، وحكمة الصمت. وخير السماء، كان يعلم أن رحلته هذه ليست رحلة جسدية بل هي رحلة إلى أعماق ذاته التي لا نهاية لها أبدًا، بات يعلم الآن أن روحه متجددة ووعيه متطور؛ فالعزلة مع النفس جعلته يولد من جديد.
أثناء نزوله من الطائرة مد يده في جيبه ليتحسس حجر صغير أملس التقطه من أمام المغارة ربطه بخصلة اشتقها من ثوبها المفضل الذي كان يحتفظ به ويحمله معه أينما ذهب؛ ليذكره دائمًا أنه في كل مرة يضيع فيها وسط الضجيج، عليه أن يعود إلى ذلك الصمت الذي بات يعرف طريقه جيدًا حيث سمع فيه لأول مرة صوت نفسه. وأيضًا ليشعر أنها معه، فيحول ألم فقدها لنقطة تحول وتحرر، وليعمل ويستمتع معًا ويجد ما يخبرها به…
حينما دخل منزله وفي غرفته احتضن سريره شوقًا ثم مد يده لدرج بقربه وأخرج دفتر مذكراته اليومية، كتب في أحد صفحاته: “عش حزنك كما ينبغي وأنت تعيش الحياة، وانتبه من أن تجعل الحزن يعيشك”.
*كاتبة من السعودية
التعليقات