مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شاهر النهاري* في سبعينيات القرن الماضي، كانت مدينة الرياض بيوت طين وسعف نخيل تنف …

الشاعر عامر.. واَلَطَقَاَقَة عَنَاَب

منذ 3 أشهر

82

0

شاهر النهاري*

في سبعينيات القرن الماضي، كانت مدينة الرياض بيوت طين وسعف نخيل تنفث أنفاسها الصحراوية الدافئة على القلوب، كان وجد غرام العاشق يحتاج جرأة حين يبوح ويشتكي وينوح، وتختبئ روعة الأحلام في الأدراج برموز العشق المحرّم، وعامر مراهق بلغ من الشغف ما أغراه لمطاردة حلمه الخفي، وسط أسرة متوسطة يهمها الشكل، وترنو للمستقبل، ولا تمرر خيال الزيغ.

عشقُ عامر للترنم بعبارات الغزل، ظل سرّه الأول، تنساب لمرقده العبارات العاطفية، بكلمات متناغمة ترنو لأن يتغنى بها على الأثير صوت رخيم، لفتح نوافذ الجمال.

كان قد قدِم مؤخرًا لمدينة الرياض من بلدة أبها، مودعًا الممرات الصخرية والأودية المعشبة، وحيث تَعرِف الأبواب أصحابها، عكس مدينة ترامت أطرافها بين الكثبان.

في عمق الرياض جرب النثر وداعب الخواطر وحاول تسطير الأشعار يجمعها في كراسٍ مدرسي، تعب غلافه من إخفاء صندوق كنوز محرمة!

يَكتُب بالقلم الرصاص، ويَشطُب بالأحمر، ويُثبت بالأزرق، ويرسم أسرار عشق قلبه بالرموز.

طموح حريص، فاسمه يجب ألا يظهر لو تغنى بكلماته صوتٍ جهوري، بلحن مُنَغَم، وأغنية تبُث مشاعره.

في ذلك الزمن، لم يكن الفن خيارًا مطروحًا، والوصول إلى الفنانين يعتبر تهمة مجتمعية، عظيمة المخاطر. كان عصر هاتف الهندل، مأمور سنترال يحيط بالأسماء، والعناوين!

خصوصية رسمت أسرار مجتمع محتشم، يلبي الطلبات، ويستطيع تخمين هدف المتصل، حينما يبادره: «لو سمحت، وصّلني ببيت فلان»، فيتم التحويل، بتعاقب محطات الأحياء، وربما يتعسر الوصول، حال عدم الوضوح، أو عدم رد المقصود.

يسأله عامر عن بيوت فنانين كان يسمع عنهم، والسنترال يساعده باهتمام، فالمؤكد أنه يرتب لحفلة عرس!

فنانون شعبيون مغمورون، سمع أسماءهم في الإذاعة، أو قرأها في الصحف، يستدعون أعوادهم، وطبولهم، أو فنانات الخفاء، يُعرفن بـ«الطقّاقات»، يغنين ويرقصن في مجتمع النساء المنعزل، بدفوف وطبول وزغاريد.

كانت محاولات عامر تتكرر، يتعثر مرة، ويعد لمطلبه مرات، ويعتذر الكثير، أو لا يردون، أو يهبونه الوعود ثم ينسون.

عَقَد العزم بجرأة، وطلب منزل طقاقة شهيرة اسمها «عنّاب»، لم يتخيل وجهها يومًا، لكنه سمع أنها محيية أعراس صاعدة، صوتها قوي، وحضورها مبهج لمن سمعنها، ومن ناحية العذوبة فطعم اسمها يكفي ليمنحهُ رشفة أمل. اتصل مرارًا، وردّ صوتها مرة مخلوطًا بالبهجة والترحيبات.

لحظات لعثمة عصيبة قصيرة، لكنها بالنسبة إليه تعد فتحاً. عَرَض عليها أن يُسمعها بعض كلماته الشعرية. فلم تحبط خطته، وأعطته موعدًا في الغد بعد المغرب.

قبل الموعد، قاد سيارة الأسرة، بلا رخصة، وعبر بها حواجز الأحياء البعيدة، بتطلع يتبع الحدس، بين الأزقة الصغيرة والبيوت. تاه كثيرًا، وسأل الدكاكين، واستبصر من المارة: «أين بيت الفنانة عنّاب؟».

البعض حاول إرشاده، والبعض نظر له شذرًا، والبعض ظل يبتسم مستفسرًا: هل عندكم عرس؟

ويصل بعد لفة طويلة، ليجد بيت ربع صغير، من دور واحد، وحوش متواضع، لا يوحي بأن حلمًا عظيمًا سينطلق من داخله. قرع الجرس، وفتحت فتاة سمراء صغيرة، كان اسمها: «تفاحة»، وهو اسم يكفي لعجب المفارقة!

عرفها بنفسه، فأدخلته إلى مجلس في طرف البيت، وانتظر دقائق بدت له أطول من ساعات. ومع عجاج الدخون دخلت «عنّاب»، صاخبة مرحبة، بوجه مملوح أسمر، وشعر أجعد منكوش، كأنه اختار معاني التمرد مجتمعة، بوقفة غصن، وثوب زاهية ألوانه، وخصر ناحل، ومرونة، وحضور يملأ المكان بالجرأة، عكس نساء ذلك الزمان!

جلست أمامه، كأنها تعرفه منذ زمن، سألته عن قصته المبكرة مع الكتابة، وقدمت له فنجان شاي، قبل أن يدق الباب، ويدخل عليها الملحن وردي البشرة ممتلئ البطن، يحمل عوده، وشخص يتبعه يحتضن كمنجة. وتترنم «عنّاب» بصوتٍ يشبه بيوت الطين، والسعف، أنسام وادي حنيفة، ومن المؤكد أنها لم تكن بروفتها الأولى، فهي تعرف الكلمات، والأوتار تعرفها.

ويظل عامر منصتاً، مستحسنًا لما يسمع، وطموحه يغير ظنه، بأن الفن يمكن أن يُولَدَ في بيت الضيق، رغم اللائمين. حينما انتهوا، طلبت «عنّاب» من عامر أن يُسمِع الملحن بعض أشعاره. وبرجفة يمسك دفتره، يحاول صنع الثقة، ويقرأ مقطوعته الأولى. ولم يلحظ إلا بسمات وجوه صامته.

قرأ الثانية، وكان مطلعها يقول:

«لا تظلم الخل وتخونه

وانت عايش في شجونه

واعرف إنك يا الحبيب

في الهوى تسوى عيونه»

فقفزت «عنّاب» من مكانها إعجابًا.

وأشادت: «هذه تهبل».

ثم ترجت الملحن أن يهتم بها، ويبدعها لحنًا يناسب رحلتها القادمة لدولة الكويت. في تلك اللحظة، شعر عامر أن العالم يفتح له نافذة قد تضيء حياته. أخذ عنوان سكن الملحن الشعبي عند قريب له، فهو قادم من جدة، لتسجيل بعض الأغاني للإذاعة بمناسبة وطنية. وفي الموعد، ذهب عامر بدفتره للملحن، والذي جلس في الزاوية ينظر لعامر طويلاً، ومشاعر ناصح الأبوة والحكمة تختمر، وظل يستفسر ويحاول إفهامه بما لم يكن أحد يجرؤ على قوله.

لقد صور له معنى دخول الفن في حينها بالمخاطرة، وصور له الرفض المجتمعي، والوسط الشائك، المحاط بالتحريم، والانتقاص، والتناقض، وتنازلات لا تستحق المخاطرة. سأله: «ناوي تكمل دراستك؟».

قال عامر: «نعم، أطمح بالطب».

تنهد الملحن: «أنصحك أن تبتعد وتكمل طريقك للطب».

وأكمل: هذا ليس طريقك، وما تكتبه سيتعبك كتمانه، استمر في حفظه، واستمتع بذكرياته، لكن صدقني، لا أحد سيتغنى بكلمات لا تستطيع دفع ثمنها، للملحن، والمغني، والفرقة، واستديو التسجيل. ويزيد التعقيد: أنت طالب، ومن أسرة متوسطة، وهذا الطريق لا يناسب من يريد أن يدخل كلية الطب، ولا من يريد حياة هدوء بعيدة عن الهم والتخفي.

عندها سقط سقف التوقعات فوق رأس عامر، بلحظات خيبة، وإحباط، خرج بعدها بفهم مشوش، وخطوات حائرة تحمله على لظى الغضب. تجربة مرت، وما لبثت أن ارتاحت نفسه، وشعر بأنه قد فهم خبايا عالم غموض لم يكن يحيط به.

وفهم أسباب ضعف مواقف الفن، واختباء أهله. ولماذا يشح ويموت الإبداع ولماذا يكون ثمن الدخول لعالم الفن منهكاً.

عاد عامر إلى حياته، دون أن يشعر أحدًا بمغامرته.. نظر إلى كراسه..

أغلقه..

أعاده لدرج أسراره.. نسي.. أو أجبر نفسه على النسيان..

لتمر السنون، وتزوره الذكرى في الليل كالحمى!

دَرَسَ.. تخرج، وتغيّرت مفاهيمه.

وفي يوم رأى «عنّاب» على شاشة تلفزيون خليجي بالألوان.. تغني، ترقص بخفة، تحت ساطع الأضواء، وفوق مسرح حقيقي اعترف بفنها. سنوات طوال ظل يسمع عن تحركاتها، وهي تحفر الترعة في أجواء فنون مصر.. تتزوج، وتفتتح كازينو ليلي. ويظل صوتها المدندن الجهوري يغني ليليًا، وجسدها الراقص يتمايل على أنغام سعودية خليجية تغدو مطلبًا للسواح الخليجيين الملتفين حولها، وهي تغني للحب، والوطن، والحنين، وترقص على سلالم الفن المغترب.

ابتسم يومًا بحسرة حين سماع خبر رحيلها الحزين، وتعاطف. نظر لمساره المقطوع مع الفن، ولم يندم. لقد أدرك أن بعض الأحلام تموت خجلًا، أو مخنوقة، وأنها مرات تتحرر، وتهاجر. وأن بعض الأصوات المتمردة تجد طريقها ولو عبر آلاف الأبواب المغلقة. فالفن، مثل الماء، إن لم يجد شقاً في الأرضصنعه. ويبقى كراس عامر في درج الزمن.. شاهدًا على حلمٍ لم يَتغنَّ به أحدلكنه ترنم في جوف دفتر عشق.

*كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود