الأكثر مشاهدة

شمعة جعفري* كانت بدايتُها عاديةً.. فتاةٌ صغيرةٌ دخلتْ إلى معهدِ الحاسبِ الآليِّ، …

لا بأسَ يا أبي

منذ 6 أشهر

90

0

شمعة جعفري*

كانت بدايتُها عاديةً.. فتاةٌ صغيرةٌ دخلتْ إلى معهدِ الحاسبِ الآليِّ، تُقبِّلُ يدَ أبيها في الذّهابِ، فيقولُ لها جملتَه المعهودةَ: (اسعَ يا عبد وأنا أسعَى معكَ).. تَحمِلُ كتبَها، وهي تتنسّمُ هواءَ الطريقِ، تقولُ لنفسِها: ماذا سأكونُ غدًا؟! بالتأكيدِ لا شيءَ! 
تنظُرُ إلى عُنوانِ كتابٍ يَبرُزُ منه اسمُ النجاحِ، أهدتْه لها صديقتُها، أخذتْه معها، وعلى ضَوءِ مصباحٍ قديمٍ قرأته في المنزلِ: (لا تيأسْ)، (لا تَمَلَّ)، (مَنْ عَرَفَ الطريقَ أدركَهُ).. والكلماتُ تنسابُ في وجدانِها، فيقشعِرُّ جِلدُها، وتَنبُتُ طاقةٌ لا تَعرفُ لها سببًا، حتى تحوّلَ المصباحُ القديمُ من حولِها لضوءٍ كاشفٍ عما في قلبِها، أَخرجت آهاتٍ دامعةً: (أنت استثنائيُّ، فلا تقبلْ أن تكونَ عاديًّا)، اعتصرتْ قلبَها الجملةُ، فأسرعتْ الخطَى إلى أبيها على مُصحفِه.
– أبي أريدُ أنْ أُكملَ طريقي.
ابتسم الأَبُ!
انتسبت إلى جامعةٍ مثلِها فتيَّةٍ، تكافحُ، وهو إلى جوارِها.. يجدِّفانِ معًا، يجلسُ على مُصحفِه في مقابلِ وجهِها، عيْنٌ على كتابِ اللهِ، والأخرى على يدِها التي تذاكِرُ منهجًا صعبًا، يبتسمُ لأنه يعرِفُ، وهي لا تعرفُ!
ومرَّت سُبحةُ الأعوامِ، وها هي تقفُ على أبوابِ الجامعةِ لتتسلمَ نتيجتَها، فإذا هي ضِمن قلَّةٍ تفوقت، ورُشِّحت إلى الانتقالِ من الانتسابِ إلى الانتظامِ.
عادت تحتضنُه وتفرحُ، فنبّهها إلى أنَّ سَعادةَ الواحدِ أنانيةٌ، وأن قلبَها ما دام فرحًا فلا بد أن تفيضَ كَرمًا على مَن حولَها.
أعرِفُ هذه البنتَ وهي توزّعُ مبتسمةً، وتنفقُ المالَ على حبِّه، والمسكينُ يدعو، واليتيمُ يؤمّنُ، وابنُ السبيلِ مستبشرٌ خيرًا بها.
وما زالت ترنُّ في أذنِها (مَن عرَف الطريقَ أدركَهُ)، وقد عرَفت قدماها الطريقَ!
خطوةً بخطوةٍ، والأملُ يتفجّرُ تحت قدَميها آبارًا، كَتبتْ على محاضراتِها: (في الغَدِ سأصبحُ دكتورةً، إن شاء اللهُ)، تضعُ قبلَ اسمِها دالًا محببةً، وأملُها أن يراها أبوها، فيعرفُ أنها لا تنوي الرجوعَ، وأنَّ سَيفها لن يَصدأَ، وهمتَها لا تَفترُ أبدًا.
(اسعَ يا عبد وأنا أسعَى معكَ)، يقولُها، مشددًا على السينِ، مكررًا الجملةَ.. يعرِفُ أن ابنتَه تستجيبُ للحماسِ، وتكافِئُه بنشاط واندفاعٍ عاقلٍ، فتدُبُّ في أوصالِها طاقةٌ من كهرباءَ ودِماءٍ، وتنفعلُ قابضةً على يدَيها! تعرفُ أن اللهَ معها، ما دامت هي ساعيةٌ إلى غدِها.
فُتِح بابُ الماجستيرِ، فتقدَّمتْ، وأبوها يَسعُلُ على مصحفِه، وتَزوغُ عيناه فيعيدُهما؛ عينٌ إلى كتابِ اللهِ وعينٌ ضعيفةٌ إليها: يا عظيمة.. يناديها، فتقولُ: لبيكَ أبي، فيقولُ: لا شيءَ… إنما أحِبُّ أن أنطِقَ اسمَكِ! فتبتسمَ وتنشغلَ بكتابِها!
ليتَها لم تنشغلْ عنه قطُّ، هكذا تلومُ نفسَها، فتشعرُ بطَيفِه يربّتُ على كَتفَيها: لا بأسَ، فعلتِ الصوابَ!
انهمكتْ في قراءاتِها المتعددةِ.. هي على بابِ مرحلةٍ جديدةٍ، فلا بد أنْ تكونَ على قدْرِها.. تأكلُ الكتبَ وتفتحُ المراجعَ، وتبحثُ عن معلومةٍ، تضربُ السطرَ فيخرُجُ مختبؤُه، وتنبسطُ الكلماتُ المعقّدةُ.. وهو يسألُ أحوالَها في كِّل ساعةٍ، ويتصلُ بها بين المحاضراتِ، يَسمعُ صوتَها فيطمئنانِ معًا.
أفضَى إليها بِسِرِّه: سميتُكِ عظيمةً؛ لأنني كنتُ أرى طاقتَكَ المختزَنةَ، كلَّ يومٍ، وأنتِ لا تَرينها!
بكتْ بدموعِ الأملِ، وأسرعتْ تأكلُ المستوييْنِ الأولَ والثاني، ترى أنَّ البابَ الذي كان مغلقًا انفتح، وسُمِح لها بالدخولِ، وهو يزدادُ سُعالًا، ويتعُب فيحملُه الإخوةُ إلى غرفتِه.
لا ينادي غيرَ اسمِها: (عظيمةٌ.. عظيمةٌ).
– لبيكَ أبي.
فيقولُ وسطَ آلامِه: لا شيءَ.. أحِبُّ أنْ أنطِقَ اسمَكِ.. لكنّها هذه المرّةَ تدمعُ، وتدمعُ.. شيءٌ في قلبِها أنبأَها أنَّ ثمّةَ خيوطًا للنهايةِ تنجدلُ، وأنَّ ثمّةَ فِراقًا عما قريبٍ.
دخل إلى المستشفى وسطَ أبنائِه البرَرَةِ، والممرضاتِ والطاقَمِ الطبيِّ، فلا يَلفِظُ إلا اسمَها: عظيمةٌ.. عظيمة. . وهم يقتادونه إلى العنايةِ المركزةِ.
وأنا أقولُ: لبيكَ أبي! لبيكَ أبي!
فيعودُ الصَّدَى هادئًا… 
تحددتْ مناقشةُ الماجستيرِ، الكلُّ يتصلُ بها، يخبرونها بكفاءةِ بحِثها، ودقةِ نتائجِها، وهي ذاهلةٌ عنهم، تتسمّعُ على بابِ الغُرفةِ.. أهي أنفاسُ أبيها؟!
استيقِظْ يا أبي، أريدُ أن أُسمِعَك ثناءَهم، قُمْ يا حبيبي أريدُك أن تطمئِنَّ عليَّ، فأَطمئِنَّ عليكَ.. افتْح بابَ الغرفةِ، لأصحبَكَ إلى مناقشتي، وأردَّ لك جميلًا طال أمدُه، هَبْ لي فرصةً لأقولَ لكَ: صَدَقتْ رؤيتُك، وصحَّتْ نبوءتُكَ!
ويدخُلُ رمضانُ وهي تفطُرُ في المشفى، لا تتحركُ.. يصرِون عليها أن تمشيَ، فلا تمشي!
-«عــــــــظــــــــــــيـــــــــــــمـــــــــــة»..
صرخةٌ جاءتها في حُلمِها بين النومِ والصَّحوِ على بابِ العنايةِ.. فانتصبتْ واقفةً مفزعةً.. خرج الطبيبُ، دمعتْ له، رجتْه أن يتكلمَ.. بعينٍ آسفةٍ أخبرها أنَّ أباها الذي سار معها إلى الجامعةِ، وعلّمها المحبةَ، وراقبها بعينٍ على مصحفِه.. قد وافتْه المنيّةُ في ثالثِ أشهرِ اللهِ!
تمضي وهي مكلومةٌ، دون دموعٍ!
لا حزنَ ولا فرحة!
حتى تهنئاتُهم على الماجستيرِ لم تسمعْها!
لا بكاءَ!
لكنها حين أرادتْ أن تكتبَ هذه الأَسطُرَ، بكتْ، بكتْ كثيرًا، أَمطرتْ دموعًا، ورأتْه بين الأسطُرِ وهو يربّتُ على كتفَيها من جديدٍ، ويمسحُ دَمعتَها، ويقولُ لها بصوتِه الخفيضِ ولسانِه المطمئنِّ:
لا بأسَ!

*كاتبة من السعودية 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود