728
0
537
0
461
0
444
0
311
0
3
0
4
0
4
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13536
0
13382
0
12216
0
12139
0
9574
0

سعود صالح*
روى الحفيد الثامن للحكيم سِيدي حامد بن الايلي -راوي ملحمة دون كيشوت الشهير- قصة غير عادية عن البوظة، وقبل أن يتهم القارئ العزيز مؤلف هذه القصة بالتزوير وباختلاق الأساطير، اسمحوا لي بالقول إن حفيد الحكيم سيدي بن الايلي -حسب زعمه للمؤلف- يؤكد على واقعية هذه الأحداث وعلو مصداقيتها، فعندما سألته إن كان شاهدًا على ما حدث، أجابني قائلًا “لا، لكن الذي رواها لي أكّد على أنني أستطيع أن أجزم بصحتها كما لو أنني رأيتها بأم عيني..” فقلت له “هل تقتبس من سانشو بنثا عندما روى لدون كيشوت قصة العنزات التي عبرت النهر؟” فأجابني بخجل “نعم، لكن صدقني، القصة صحيحة، والله! وما الضير إن كنت قد نسيت بعض تفاصيلها فاستبدلتها بما ألهمتني به ممارسة اليوغا؟! إذا كنت لا تريد سماع القصة فهذا الأمر يعود لك، سأعطيها مفرح زعلان، نعم، سيقدرها أكثر منك!” وأنا لا يمكن أن أدع مفرح زعلان يفرح بشيء، لأنه كان يسرق مني وجبة الفطور عندما درسنا المرحلة الابتدائية سويًّا، لم يكن يسرق مدفوعًا بسوء أحوال أسرته الماديّة، بل لأنه سمين ولئيم، وما زال كذلك!… فمن هذا المنطلق، قررت الاستماع لمحدثي وكلي آذان مصغية. والآن، أذكر لكم ما رواه حفيد سيدي حامد بن الايلي الثامن دون زيادة ولا نقصان:
يروي حفيد الحكيم أنه في أحد الأيام المشمسة في مدينة جدة، حيث تفوق نسبة الرطوبة في الهواء نسبة تركيز الكحول في دم الرئيس بوريس يلتسين، كان ثلة من الصبية يلعبون كرة القدم داخل أحد الأحياء السكنية، وقد كرر الراوي على مسامع المؤلف أشياء عدة حرص على أن أسمعها دونما سبب وجيه في اعتقادي، منها أن القصة وقعت في زمن التسعينيات، حيث لم يكن ثمة ملاعب كرة قدم في الأحياء، وأصر على أن أذكر لكم معلومة، أن بعض الصبية كانوا حفاة الأقدام، لأنهم كانوا يستخدمون أحذيتهم لتحديد موقع المرمى تفاديًا لحدوث مشادات كلامية أو تراشق بالأحذية. وعبر الراوي للمؤلف عن رأيه في ذلك، قائلًا إنه “قرار حكيم” وأكد موقفه مستطردًا “كانوا يضعون حدودًا للمرمى بأحذيتهم حتى لا يضطروا إلى التراشق بها، أذكياء! الآن تحدث مشادات كلامية بين لاعبين محترفين حتى بوجود قوائم للمرمى، ناهيك عن تقنية الفار!..” وأجاز المؤلف للراوي أن يضيف رأيه هذا إلى القصة، لكنه امتنع عن إضافة بقية الآراء التي لا تمت للأحداث بصلة، فللحفيد رأي وموقف عن كل شيء تقريبًا!
المهم أنه بينما كان يلعب الصبية كرة القدم، أعلن باص البوظة عن وصوله إلى الحي عن طريق تلك النغمات الموسيقية التي تصدر منه، وهي نغمات موسيقية موحدة عند كل باص يبيع بوظة في العالم، فانزعج أحد سكان الحي من هذا الصوت الذي يتكرر كل يوم أو كل يومين قاطعًا عليه وقت القيلولة، وليس انزعاجه نتيجة لصوت الموسيقى وحده، بل لأن الموسيقى كانت تتسبب في إزعاج من نوع آخر، وهو صوت الصراخ الصادر من كل أطفال الحي تقريبًا، فتيانًا وفتيات، الذين يلعبون كرة القدم والذين لا يلعبونها، فوصول باص البوظة هو أجمل لحظة في اليوم عند كل طفل عاصر تلك الحقبة، وخلاله تحدث جلبة كبيرة في الحي. لكن، بالنسبة لفلاح خيران، كان هذا الحدث وما يصحبه من مظاهر احتفالية أبغض اللحظات، وهو بالمناسبة عاطل عن العمل، لكنه كان يفضل تسمية نفسه بـ “ناشر سعادة” لأنه كان يبيع حبوب مخدرة، وأخرى منشطة، وأخرى تسبب هلوسة… إلخ. المهم أنه يتاجر بالممنوعات، وللسادة القراء أن يبتوا في مسألة تصنيف وضعه من الناحية المهنية، وأن يقرروا إن كان فلاح يُعد موظفًا أم لا، أما نحن فلسنا هنا إلا من أجل نقل أحداث القصة حسب إفادة راويها.
استعد فلاح بسرعة وخرج لاستقبال باص البوظة ممسكًا بعصا من خشب الماهوجني قبل أن يركن سائق الباص باصه، فقد كان السائق يختار باحة المواقف التابعة للمسجد كمكان استراتيجي لاستقطاب الزبائن، ومن سوء حظه أن مكان الاستقطاب هذا يقع أمام منزل فلاح خيران، الذي جاء في سورة من الغضب وفتح باب الباص -مستغلًا انشغال السائق في استقبال الطلبات وتسليمها عبر النافذة في الخلف- وأخذ منه المفتاح، ثم شرع في تكسير نوافذ المركبة المقدسة عند الأطفال أمام أعينهم، فتفرقوا وفرّوا من حول نافذة استلام الطلبات، ولم يكن السائق كمال حمدي يستطيع تحديد هوية الجاني أو سبب هذا الهجوم غير المبرر، فاضطرب لذلك وشعر بذعر لا يستطيع الى الخلاص منه سبيلًا!
بينما استمر فلاح في تشويه معالم الباص وتكسير كل ما هو زجاجي فيه، تجمع الأطفال على شكل حلقة ليشهدوا على وقائع هذه الجريمة النكراء في حق ناشر السعادة الخاص بهم وباصه المسكين، حتى يستطيعوا الإدلاء بشهاداتهم عند الجهات المعنية عندما يحين الوقت المناسب. أما السائق والبائع كمال فقد ظل جامدًا في مكانه، واعتقد لوهلة أن فلاح مرسل من جهات معادية دبرت له هذه المكيدة، فلأنه معروف عند الأطفال في كثير من الأحياء، استطاع أن يكسب ولاءهم بحيث لم يعودوا يشتروا البوظة من بائع سواه، ولا يشعل حماستهم صوت يصدر من باص إلا باصه، لدرجة أنهم حفظوا مواعيد وصوله عن ظهر قلب، ولهذا ظن المسكين أن هناك من يريد أن يقطع عليه رزقه ويسرق منه زبائنه الذين كسبهم بالعمل الدؤوب والتعامل اللطيف، لكن فلاح قطع عليه حبل أفكاره عندما اقتحم الجزء الخلفي من الباص وجرّه من ياقته إلى الخارج، ورماه على الأرض، ثم قال وهو يضربه بالعصا:
– يا خنزير البوظة المزعج! إن تجرأت على إظهار وجهك هنا في هذا الحي مجددًا، سأقوم بتكسير كل عظمة في جسمك، هل فهمت؟… لا، لا تبك كالأطفال أيها اللعين، أنت تبيع كثير من البوظة على كثير من الأطفال، وظللت تقوم بأداء مهنتك البائسة هذه إلى أن تحولت أنت نفسك إلى طفل سريع البكاء على ما يبدو، تكلم يا حيوان، أجبني! هل فهمت؟ أم تريد أن أهوي على رأسك بالعصا حتى تفهم؟
-لا لا لا، أرجوك لا تضرب رأسي، الضرب على الرأس خطير والله!… لقد فهمت، فهمتك، أخبرني بأسماء الأحياء التي قررتم احتكارها حتى لا أذهب إليها، لا أريد أن يقع سوء فهم، سأتنازل عن المناطق التي تغطونها أنتم، لكن لا يمكنني التوقف كليًّا عن بيع البوظة، أرجوكم، فهي مصدر رزقي الوحيد!
– ما هذا؟ ماذا تقول يا غبي؟ ربما يجدر بي ضربك على رأسك بالفعل حتى تستوعب المطلوب، إذا شاهدتك هنا مجددًا، سواء جئت بصفة بائع بوظة أم بصفة راهب، لن أهوي على رأسك بالعصا وحسب، بل سأفصله عن جسدك وأعلقه على مدخل الحي، حتى تكون عبرة لغيرك من الباعة!… قام الجاني بعد ذلك بضرب كمال بالعصا على ذراعه الأيمن وعلى ساقه الأيسر، وسأله: هل فهمت؟ لأنك إن لم تفهم، سأتصل بالشرطة وأقول لهم أنك تتحرش بالأطفال!
–آخ!… فهمت، أقسم لك بالله أنني فهمت، لكني أريد أن أفهم المسألة كليًّا… يا رب البيت، لا بد أنك كسرت ذراعي الأيمن. وساقي الأيسر… أعطني فقط أسامي الأحياء، أرجوك!
– أي أحياء أيها الثور؟ أي أسماء تريد…
– الأحياء التي… يا إلهي، أظنني بحاجة إلى مستشفى… التي قررتم احتكارها… لن أتجول فيها، والله… لكن الآن، أرجوك اتصل بالإسعاف… اكتب لي أسماء الأحياء التي تبيعون فيها البوظة، وأرقام اللوحات الخاصة بباصاتكم، حتى لا يحدث سوء فهم بيننا، أو تعارض في المصالح، وأتوسل إليكم أن تأخذوا حالتي المادية في عين الاعتبار بحيث تكون القسمة عادلة… يا إله محمد! ساقي… لا أستطيع الوقوف… لا عليك، سأتدبر أمري…. اكتب لي الورقة وحسب، ولن تراني مجددًا..
لم يحتمل الأطفال رؤية هذا المنظر الوحشي، كيف يقوم ناشر السعادة الخارج عن القانون بتدمير مصدر رزق ناشر السعادة الملتزم بالقانون على هذا النحو وكسر عظامه؟ فانقسموا إلى فريقين، فريق مهمته الانتقام من فلاح خيران، وفريق يقوم بإسعاف كمال حمدي. بدأ بعض الصبية الذين ينتمون إلى الفريق الأول بإلقاء الحجارة على فلاح، فانطلق راكضًا نحوهم حتى ينتقم من انتقامهم، أما الفريق الآخر فقد بدأ في عملية نقل كمال إلى منزل أحد الصبية حيث سيتلقى رعاية أولية مترقبًا وصول سيارة الإسعاف.
عندما كان فلاح يهرول على الرصيف بمحاذاة جدار المسجد، أي خارج حدوده، كانت إحدى الفتيات الصغيرات منحنية قرب الجدار من الناحية الأخرى، أي أنها كانت داخل حدود المسجد، وعندما وصل فلاح إلى أحد مداخل المسجد حيث لم يعد بينهما حاجز، قامت الطفلة بمد ساقها إلى الخارج، فعرقلته بذلك وتعثر ثم سقط على وجهه مباشرة، فتجمع أعضاء الفريق الأول حوله بسرعة البرق، والتقطوا عصاه التي وقعت منه إثر سقوطه، وبدؤوا يضربونه بها، وبعد أن تأكدوا أن عدوهم أصبح في حالة ضعف، أعطى أحد الصبية عصا فلاح المصنوعة من خشب الماهوجني للطفلة التي تسببت في سقوط العدو، فقد كانت تطالب بذلك، وعلى الفور هوت على رأس فلاح بضربة منها، ثم زمجرت بانفعال “أيها الشرذمة، لقد حرمتني من البوظة بطعم الفراولة اليوم، فأصبحت مجبرة على التعامل مع مذاق حساء البامية الذي غصبتني أمي على احتسائه قبل قليل، ولهذا سوف أجعلك الآن تتذوق طعم دمك…” ثم ضربته على أنفه، فنتج عن ذلك نزيف وصل مجراه إلى فم فلاح، وابتسمت الفتاة دلالة على رضاها، فسلمت سلاح الجريمة إلى قائد الفريق.
أما الفريق الثاني، فقد استطاع أن ينقل الضحية إلى المنزل المذكور بعد لأي، فالمنزل لم يكن بعيدًا بالضرورة، لكن الكسر الذي أصيب به كمال حمدي في ذراعه اليمنى وساقه الأيسر كان يسبب له كثير من الألم ويعرقل سيره، فهمّ بعض الصبية بمساندته، وكانت الفتيات الصغيرات يشجعنه بكلام إيجابي عن الأمل وجمال ألوان قوس قزح، وكان ذلك يتسبب بمفعول عكسي، ثم ينشدن الأهازيج ذات الألحان التي يعتقدن أنها حماسية، مثل شارة المسلسل الكرتوني “فتيات القوة”، إلى أن وصل المسكين إلى باب المنزل المنشود أخيرًا. استقبلهم الفتى الذي يسكن فيه لأنه كان قد هرع قبلهم حتى يبدأ في الترتيبات، ووجدوا أنه أحضر مرتبة سرير خادمتهم إلى الفناء، وأحضر معها كمادات باردة وكوب من الماء وشوكولا للمصاب، واعتذر لزملائه في الفريق عن تقديم الشوكولا لهم لأن الكمية محدودة، كما أنه اتصل بالإسعاف وقال أنه واجه صعوبة في وصف موقع المنزل بدقة، لكنه نجح في المهمة مع ذلك، فسأله كمال حمدي بنبرة توحي بالتعب والخوف “وهل هم في الطريق؟ أرجوك قل لي إنهم في الطريق!” فأجاب الفتى أنهم في الطريق، وما على السائل إلا أن يستريح ويستلقي على مرتبة السرير ذات الثقوب العميقة، وها هي عاملة المنزل ماليكا ماهيندا رانافيرا قد وصلت بقماش الشاش، ها هي تلفه حول مواضع الكسر إلى أن يصل طاقم الإسعاف.
بعد أن استفاق فلاح من غيبوبة قصيرة، كان أعضاء الفريق الأول قد جردوه من ممتلكاته الشخصية، ومن المفتاح المسروق، وأمروه بالوقوف بعد أن تسلح كل الأعضاء بمجموعة من الجمادات التي وجدوها ملقاة في الشارع، فهذا يحمل قطعة حديد، وفي يد هذه قارورة زجاجية، وأحدهم يقبض بين يديه على مجموعة من الحجارة، وأُخرى تلوح له بيديها بقطعة كبيرة من خشب البلوط، والقائد ما زال ممسكًا بتلك العصا، عصا الماهونجي. قال القائد لفلاح مهددًا إياه أن “العصا ستكون لمن عصا” ثم أمره بعد أن وقف بالتوجه إلى المسجد، فاستغرب فلاح من ذلك، فضربه القائد بالعصا على ظهره وكرر عبارة “العصا لمن عصا”، لكنه أضاف هذه المرة أن الضربة التالية ستكون على رأسه، وأن فلاح يعرف تمامًا خطورة الضرب بالعصا على الرأس، فامتثل عدوهم للأوامر ومشى ناحية المسجد، وهناك طلبوا منه التوجه إلى المحراب حيث يتواجد الميكروفون، وقالوا له أنه سيعلن لجميع سكان الحي أنه هو فلاح خيران، ليس إلا بائع مخدرات حقير، وأنه سيكرر هذه الجملة على الميكروفون خمسة عشر مرة، عقابًا له وردعًا لأمثاله. وبعد تردد من فلاح تسبب في ردات فعل عنيفة من بعض أفراد الفريق، أعلن العدو عن استسلامه، وقال أنه سينفذ كل ما يطلبون منه، فقام أحد الأعضاء بتشغيل الميكروفون ورفع درجة مكبر الصوت إلى الدرجة القصوى، ثم أشار قائد الفريق على فلاح بالبدء في تنفيذ الأوامر، وهذا ما كان.
وقبيل دقائق من ذلك، وصل طاقم الإسعاف، ووجدوا أعضاء الفريق الثاني في استقبالهم. شرح طاقم فريق الإنقاذ لهم كل شيء، فقام طاقم الإسعاف بدورهم بالاتصال بالشرطة بعد أن نقلوا المصاب إلى السيارة، حيث بدأ الممرض بتقديم الإسعافات الأولية لكمال، وأشاد أثناء ذلك بفعلة أعضاء فريق الإنقاذ قائلًا لهم أنهم أحسنوا الصنع، خصوصًا فيما يتعلق بالشاش، ما زاد في رفع معنوية الأطفال ورضاهم عن أنفسهم. وما هي إلا لحظات بعدها حتى بدؤوا يسمعون الصوت الصادر من الميكروفون، فاندهش المسعفون من الكلمات التي سمعوها، وخرج عدد من الرجال من منازلهم مستغربين، فقرروا بعد مشاورات تمت على عجل أن يتوجهوا إلى المسجد لغرض الاستيضاح، وهناك استمعوا إلى أقوال شهود العيان، وعلى الرغم من أن بعضهم استاء من فعلتهم كونهم استخدموا المسجد كمنبر لإعلان شيء كهذا، فإن أحد الرجال استطاع أن يمحي ذلك الاستياء عندما عبر عن رأيه في المسألة، أخبرهم أن “هؤلاء الأطفال استطاعوا القيام بدور رجال الأمن رغم بدائية الإمكانيات، فقد قبضوا على الجاني، وشهّروا به عند سكان الحي، وهو شاب منحط يستحق الذي حصل وسيحصل له، فلن يزوجه الآن أحد، ولن يحترمه أحد، ولن يقرب منه أحد، وسيزج به قريبًا إلى السجن وبئس المصير!…” وبعد أن اقتنع الرجال بهذه الحجج، اتفقوا على إخراج الزنديق من هذا المكان الطاهر إلى حين وصول الشرطة، وما لبثوا في الخارج دقائق إلا وكان رجال الشرطة حاضرين، فقبضوا على فلاح فورًا واقتادوه إلى القسم بعد أن كبلوه بالأصفاد وتسلّموا مفتاح باص البوظة من قائد فريق الانتقام، وبينما كان كمال حمدي مستلقيًا في الخلف داخل سيارة الإسعاف، نادى على الفتى الذي استقبله في فناء منزله، وسأله بنبرة مستغربة وملامح ملؤها التعجب: “ما الذي يحدث هنا؟ لا تورطوني مع عصابة البوظة هذه، أنا لا أريد مشاكل..” فقاطعه الصبي مستغربًا من استغرابه “أي مشاكل يا كمال حمدي، وأي عصابة بوظة؟ فلاح، هذا الذي هاجمك، لم يكن إلا بائع مخدرات منحط، وها هو الآن يتلقى ما يستحق، لقد جاءت الشرطة لتقتاده إلى السجن وتخلصنا جميعًا من براثنه، وما وقع لك ولباصك اليوم سيسجل ضده ويضاف أيضًا إلى لائحة الاتهامات، فاطمئن يا كمال، هذه جريمة نكراء ضد البوظة، ومحاولة بائسة لطمس طقوسها عن بكرة أبيها، بما تشمله من مظاهر الفرح والابتهاج، ونحن أطفال هذا الحي لا نقبل بذلك!… لقد قاومنا الرطوبة الشديدة والشمس الحارقة، فما بالك بفلاح؟”. ابتسم بائع البوظة المتجول، وودع مضيفه واعدًا إياه بالعودة من جديد، وتوسل إليه أن ينقل شكره وامتنانه الشديدين لكامل أفراد الفريقين، وكل من ساهم في إنقاذه وعلاجه، بما في ذلك عاملة المنزل ماليكا ماهيندا راننافيرا!
وانتهت أحداث ذلك اليوم بمشاعر مختلطة، فعلى الرغم من الاستياء الناجم عن عدم حصول البعض على بوظة، بوظة بطعم الفراولة تحديدًا، وغضب بعض الأهالي على أطفالهم الذين شاركوا في عملية محفوفة بالمخاطر، فإن جميع سكان الحي، شيوخ ونساء وأطفال، إضافة إلى العمالة المنزلية، جميعهم فرحوا بالتخلص من مجرم لا يضيف إلى حيهم سوى نظرات الازدراء والسمعة السيئة والسموم!
*كاتب من السعودية
@saudoevsky