657
0
203
0
569
0
418
0
689
0
8
0
68
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13502
0
13348
0
12185
0
12125
0
9544
0

فتحية علي*
صدفة رأيته بعد خمس سنوات من طلاقنا، في ذلك المقهى الوحيد مقابل منزله، الذي كان يُخرجني إليه على مضض بعد أن يتحسن مزاجه العكر بسماعه لسيل رجاءاتي الحزينة التي تُرضي غرور نرجسيته المفرطة، وتُشعره بأنه ذلك الشخص الذي سيمنحني الحياة من جديد إن تكرم وذهب بي إليه لبضع دقائق معدودة بعد عدة شهور من العمل والضغط والإهمال والوحدة.
-(تبًّا لي، كيف كنت أستجديه بتلك الطريقة الغبية؟!
لقد جعلني أظن أن انعدام الشخصية والخضوع التام محبة، وأن تأديته لحقوقي الواجبة عليه منَّة أستحق عليها اللوم؟!).
جلست أشاهد ما يفعله دون أن ينتبه لي، وأنا أُقلب بهدوء حبيبات السكر لتذوب في قهوتي وتُحليها.
– يا إلهي!
ذات الحواجب الكثيفة المنعقدة، والفم الذي لا يكف عن التأفف والنقد والسخط، ونفس النظرات الحادة الغاضبة والملامح التي لا تعرف للراحة سبيلًا.
– رباه!
ما زال على عادته..
نزاع مع النادل على فاتورة القهوة المرتفعة من وجهة نظره، خصام على الماء الذي لم يضعوا له فيه قطعتين من الثلج، تأفف وازدراء من سوء الخدمة المقدمة، وهذا كله تمثيلية كاذبة ليخفضوا له الفاتورة قليلًا.
– (المضحك أن كل من في المقهى اعتادوا عليه، ويعرفون حيله المكشوف، إلا هو يظن أنه الذكي الوحيد).
على الفور مر أمام عينيّ شريط حياتي معه..
وكيف كان..
في كل نقاش..
في كل لقاء..
في كل بقاء..
عبارة عن “عقل بقفل”..
لا يسمع سوى رأيه..
ولا يؤمن إلا بوجهة نظره..
ولا يرى إلا نفسه..
هو الصواب في كل حوار، والحق في كل قضية، والصحيح في كل اختيار..
ولا حياة لمن تنادي..
سقطت ملعقة السكر على الطاولة، قطعتْ شريط الذكريات وأوقفتْ تدفق أمواج بحر الألم والتعب النفسي والجسدي الذي عشتُ فيه لسنوات وأعادتني للحظتي الحاضرة..
تنفست الصعداء..
– الحمد لله أنه ماض انتهى وولى، الحمد لله الذي أنقذني منه وأخرجني من هاوية زنزانته المظلمة الكئيبة، وعظم الله أجر كل من يعيش معه.
ناديت النادل، دفعت الفاتورة، ثم خرجت من المقهى بخطوات خفيفة سريعة لا كمن يغادر مكانًا عاديًا، بل كمن يطوي صفحة بائسة من كتاب حياته..
أنفض ثنايا عباءتي من ذرات غبار الذكرى السابقة الكريهة، وأنظف أطرافها من بقايا ملامح وجهه المقفهر الغاضب..
فتحت باب سيارتي الخاصة، ركبت وانطلقت متجهة لعملي الذي أحب -الذي كان يعارضه بشدة بحجة عدم الحاجة- وصلت لمكتبي وبين دفاتري وألواني حيث أكتب وأرسم وأتنفس، كحمامة سلام استعادت حريتها وحلقت في السماء الواسعة المشرقة بكل ثقة وشجاعة..
وقلبي يرقص فرحًا وسرورًا على المنصب الذي بلغته بعد جد واجتهاد وتعب، وشفتاي ترددان جمل الثناء والامتنان لله على الحياة السعيدة الهادئة المريحة من دونه..
التي بدأتها بعد أن أدركت أن الحياة التي كنت أبحث عنها بداخلي لا تُمنح.. بل تُؤخذ بقوة الإرادة والعزيمة والإصرار على اختيار المصير، والعيش كما أريد “أنا”..
لا كما يريد الآخرون..
وأني وحدي من أمتلك الحق الكامل بعد الله، في رسم طريق حياتي الذي أحب أن أسير به، وأن أكتب لنفسي فاصلًا جديدًا بقلمي لا بقلم أحدٍ آخر…
*كاتبة من السعودية