مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالكريم النملة* صوت حبات المطر حين تلطم النافذة توقد في صدريهما شوقاً عذْباً، …

فراق

منذ 7 أشهر

91

0

عبدالكريم النملة*

صوت حبات المطر حين تلطم النافذة توقد في صدريهما شوقاً عذْباً، ينفلت من عقال هواجسهما فيجمع على جناحه أصواتاً حميمة، حين يهطل المطر وتقرع حباته المتوالية الأرض، ترسم في ذهنيهما صوراً ملوّنة ومتباعدة لشوق قريب يكتنفهما سوياً، يطفئ أوار لحظاتهما ويشتت شعاب التقائهما، تتقلب هي على سريرهالا تستقر، أكان المطر هو الذي ملأها بشوق ممضّ، أم أنها جعلته سبباً لشوق العودة الذي اقتحمها فلم تعد قادرة على احتمال لحظة أخرى قادمة، تعيد على نفسها بواعث الألم كلما خبا ترقبها المتوهج، تحاول الانفلات من هذا الارتباط الذي لم يقع على ضوء من نفسها؛ إذ وجدت عتمة تسري بينهما منذ لحظتهما الأولى، بداية لم تعر الأمر شأناً، سمعت أن هذا شعور متكرر عند أخريات فلا تقلقي، لكن العتمة البغيضة تمددت بينهما على السرير حتى تكاد تلمسها بيديها.

هو.. أرهقه أنين يسمعه، أنين لازمه منذ حلّا بهذا الفندق الريفي الصغير بعد أيام عدة من زواجهما، أنين متواصل اختلط بصوت حبات المطر تقرع النافذة، وحين تصمت الأشياء ويتسلل النعاس إلى عينيه، يفزّ هلعاً من وقع صوت الأنين الممتد، قام من سريره، فتح ستارة النافذة، أضواء كابية يشعلها عمود نور أصفر، يسكب الليل صمته المطبق على كل شيء في الشارع، عدا صوت حبات المطر المتساقطة، عاد إلى سريره، اندس في فراشه، هي كانت تتململ في نومها بجانبه، وما إن بدأت لذّة النوم تغشى عينيه حتى فزّ ثانية من هول صوت الأنين البائس، أيقظها.. لم تكن نائمة، أشعل نور الغرفة الجانبي، تأمل وجهها، لم يلمح في بريق عينيها تعابير تدلّه على مصدر ذلك الصوت الشقي، سألها إن كانت تسمع صوت أنين، هزت رأسها بالنفي ثم عادت لنومها المتقلّب، حين تعبث اللحظات بنسيج طفولتها الداخلي وتضيق قسمات وجهها، تعمد إلى مسح وجهها بباطن كفها، فتعيده وجهاً شمعياً لا ينبئ عن قوافل ألم تعترك بين دفتي صدرها.

  كان الأنين حاداً ورتيباً وموجعاً، طلب من إدارة الفندق تغيير غرفته، ربما اختفى الأنين.

بعد يوم قضياه متنزهاً على شاطئ البحر، عادا إلى غرفتهما الجديدة، كان  متأملاً نوماً هادئاً وهانئاً، أُطفئت الأنوار وشرعا في النوم، عاد الأنين بوجعه ثانية، جلس على حافة السرير حاملاً رأسه بين يديه، قام إلى الثلاجة، دلق الماء دفعة واحدة في حلقه، ودخل في صراع مع نفسه، صوراً مخيفة استدعتها ذاكرته لأناس مرضى يتألمون، الزوجة تتقلب في فراشها لا تستقر، رائحة مطهرات المستشفىممرات العيادات المتراصة على الجنبين، أشكال الأطباء وهم يتهامسون فوق رأسه وهو مسجى أمامهم، ثم قرار ما يصلون إليه، ينظرون إليه نظرة إشفاق وتشجيع معاً، تتقلب زوجته كثيراً هذه الليلة، خرج من غرفته دون أن يقول شيئاً، خرج يمشي على رصيف مقابل لشاطئ البحر، حين يكون وحيداً يكون حراً، ويحدّث نفسه بصوت مسموع.

 بكى.. وبكى كثيراً، غسقت عيناه، سقطت على ذهنه فكرة واحدة رأى فيها خلاصه مما هو فيه، قرر أن يقطع إجازته ويعود، دُهشت ثم فرحت ثم سافرت في خيالها، قالت له متى؟ لم يسمع، تفلتت حبال شوقها من معاقلها وكررت السؤال، متى؟ وحين رأته صامتاً مستسلماً خرجت إلى الردهة الخارجية، جلست هناك تنتظر، فيما غطّ هو في نوم عميق لم تُكدره أصوات الأنين.

*كاتب سعودي

@rhrh5576

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود