الأكثر مشاهدة

الشيماء أشيبان* في أحد أيام شهر مايو، وفي آخر يوم من امتحانات السنة الرابعة، كنت …

المجذوب

منذ 6 أيام

81

3

الشيماء أشيبان*

في أحد أيام شهر مايو، وفي آخر يوم من امتحانات السنة الرابعة، كنتُ أنتظر حافلة الجامعة بكامل أناقتي، استعدادًا لامتحان مادة “مقاصد الشريعة” التي غالبًا ما كنا نهابها ونخشى الرسوب فيها لصعوبتها وضخامتها.

كان موقف الحافلة مكتظًا بالطلاب، وإلى جانبي فتاة هي أيضًا في كامل أناقتها.

وبينما كنت أطالعها خلسة، شعرت بعيون تراقبني من بعيد، التفتُّ بحذر، فرأيت رجلًا جالسًا في مطعم شعبي، غريب الشكل، رث الثياب، ممسكًا بشطيرة يأكلها بنهم، وعيناه مثبتتان عليّ.. لم يستغرق الأمر طويلًا حتى عرفته… إنه “المجذوب”.

شعر بأني لاحظت وجوده فهمَّ واقفًا متجهًا نحوي! كأنه كان ينتظر مني أن ألتفت كي يتحرك.

وقع قلبي بين يدَي، صرتُ أتمتم بكل الأدعية التي أحفظها؛ وأتوسل الله في داخلي: يا إلهي أنت تعرف أني أخاف المجاذيب، لا… بل أخاف كل شيء! لا تدع هذا يحدث لي.. أرجوك!

نعم كنت “خوّافة” البيت والشارع والمدرسة وكل تجمع أكون فيه، قبل أن تروضني سنوات الغربة.

أشحتُ بنظري عنه، وبدأت أتراجع أتلمس طريقي إلى الخلف علّي أختفي بين الحشد، لكني في الحقيقة لم أكن أتحرك، فقد كنت مسمرة في مكاني من شدة الخوف.

وأنا أعيش خوفي وأتمتم بأدعيتي، قاطعني صوته وهو يمد إليّ بشطيرة قائلا: كُلي!

نظرتُ إليه بلطف وبابتسامة اختفت فورًا عندما أدركتُ أنها شطيرته نفسها التي كان يأكل منها، ومن رائحتها التي تزكم الأنوف عرفتُ أنها شطيرة سردين مشوي أيضًا!

يا إلهي… لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا، هكذا كان يردد ذهني.

قلت له بلطف: لا شكرًا.

قفزت الأنيقة التي كانت بجانبي واقتطعَت قطعة من الشطيرة وأكلتَها!

شهقتُ في سري بصمت، والتفتُ نحوها وهي تمضغُها وتبلعُها بكل شهية! غير مصدقة ما تراهُ عيني!

رمقَها المجذوب بنظرة باردة، أبعد الشطيرة عنها وأعاد طلبه عليّ بإصرار واضح: هيّا كلي.

هممتُ أن أعتذر مرة أخرى، وكزتني الأنيقة بمرفقها وقالت: خذي منها ولو قليلًا؛ ستُصيبك لعنة المجذوب، لا أحد يرُدُّ عطيتَه، إنها بركة!

أجبتهُا في سري:

ألهذا هجمتِ على الشطيرة؟ لماذا لم تأخذيها كلها؟ كنت أنقذتِني وأخذتِ الأجر والبركة معًا؟

التفتُ إلى المجذوب كي أعتذر منه مجددًا، لكن ملامحه الجادة كانت كفيلة بأن تلجم لساني، وأعيد التفكير في قراري إذ لا فكرة لدي عما يمكن أن يفعل هذه المرة!، كان ذهني يفكر بسرعة… تذكرتُ كلام الأنيقة عن اللعنة، وتذكرت امتحان مادة “مقاصد الشريعة” وكيف أني استبسلتُ وأنا أفك طلاسمها كي أحفظها وأجتازها من الدورة الأولى، فلا طاقة لي بالرسوب فيها وإعادة حفظها مرة أخرى.

كان عليّ أن أتصرف بسرعة، فلن أقضم من هذه الشطيرة مهما كلف الأمر، ولا أريد أيضًا لعنة “مجذوب” يوم امتحان “مقاصد الشريعة“!

أوليس من “مقاصد الشريعة” حفظ الدم والعرض والمال والنفس؟

خطفتُ الشطيرة من يده وقلت له مبتسمة: سآخذها كلها، على الأقل لن يرغمني على الأكل منها، هكذا كنت أقنع نفسي في يأس.

فرح كثيرًا وابتسم لي بامتنان واضح وقال وهو يشير إليّ بسبابته: “سيكون التوفيق دائمًا رفيقك” ودعا لي دعاء خاصًا نسيتُه من هول الموقف، لكني أتذكر أنه كان دعاء مميزًا وعميقًا، وابتعد موليًا.

توقفَ برهة كأنه تذكر شيئًا ما، التفت إلي.. حبستُ أنفاسي وأيقنتُ أني سآكل “شطيرة السردين المشوي” ممزوجة بلعاب “المجذوب” هذه المرة.

لكنه لم يتقدم نحوي، بل اكتفى بمراقبتي من بعيد ينظر تارة إلي وتارة إلى الشطيرة، كأنه قرأ ما يجول في خاطري؛ إذ كنت سأضعها في زاوية ما لتأكلها القطط، فلن آكلها ولن أذهب للامتحان برائحة السردين.

لم يكن أمامي إلا أن أحكمت لف الشطيرة ووضعتُها في حقيبتي، فذهب بعيدًا ملوحًا لي بيده.

ذهبتُ إلى الامتحان برائحة السردين.. وأجبت على الأسئلة بسرعة قياسية، حتى دب الشك في قلب مراقب الامتحان الذي صار يقلب أوراقي يبحث عن أوراق محتملة أحضرتها معي من البيت.

أحرزتُ العلامة الأولى في مادة “مقاصد الشريعة”، أيضًا اجتزت كل المواد بامتياز من الدورة الأولى.

لقد اعتكفت في البيت أشهرًا قبل الامتحان أدرس بجد لأحرز علامة امتياز من الدورة الأولى، لكن لا أدري هل كان “للمجذوب” و”شطيرة السردين المشوي” يد في ذلك؟!

*كاتبة من المغرب

التعليقات

  1. يقول هند ميكو:

    قصة خفيفة ظفيرة. لكن هناك اسلوب جذبني لقراءتها. عنصر التشويق قوي جدا، كذلك سلاسة الحدث ووصف المشاعر لدرجة انني تخيلت كل المشاهد أمامي. احسنت يا عزيزتي في الوصف والدقة.

  2. يقول عزيز:

    نص جميل، بأسلوب اجمل وحبكة إبداع ملهم يحيل على العمق الاجتماعي بما يحمله من حمولة ثقافية وروحية ونفسية ثقيلة تستحق الدراسة والتدير.

  3. يقول نبوغ ياسين:

    قصة جميلة، وسرد لطيف، وتقديم لخصوصية ثقافية وحضارية موجودة في بعض الدول العربية، لم يعد الجيل الجديد يعرف عنها شيئا.
    شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود