674
0
313
0
485
0
1036
0623
0
41
0
76
0
52
0
63
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12783
0
12385
1
12097
0
11516
5
9175
0

محمد زريق*
عدتُ إلى قريتي، بعد غيبة طويلة. ست سنوات من البرد القارس، والعمل المضني في التنقيب داخل الشعر. وما إن وطأت قدماي “الدوار“، حتى بدأت الأعين بالانبهار، والحناجر بالزغاريد، وكل من ألتقي به يلقبني بالدكتور، والملأ في خلقي مستغربين، يقولون:
– اُنظر هذا الدكتور! اُنظر كيف يمشي! أفسح الطريق للدكتور!
صعدتُ الربوة التي في أعلاها بيتنا الترابي. كنتُ منتشي بإنجازي، غارقًا في أوهامي، وشبح حلم يَلُوح في الأفق. أمضيت ما يربو عن الساعتين، أتبادل التحيات والقبلات، ومصافحة كل واحد بطريقته، بداية من البوس على العمائم، وانتهاء بخدود الرضع. إن هذا البيت جحر أرانب!
كان لقائي بأبي مليئًا بالاحترام والخجل، وإن كان الزهو يكاد يقفز من عينيّ. أما أمي التي لا تفتر عن حياكة الزرابي، وجدتها في الحوش متربعة وراء آلتها الخشبية العجيبة، وكبة خيطٍ في حِجرها. والأطفال يتقافزون حولها صائحين:
– دكتور جا… دكتور جا!
وبعد عناق أزلت به وحشة باريس، وأعاد لي روح الأرض، وتسللت لخياشمي رائحة التراب المبلل، التي أعشقها! أخبرتني أمي، بأنها أمرت بإعداد الحلوى المفضلة لدي “غُرِيَبة“، فقلبها أنبأها بمجيء العزيز. ففتِح الباب الكبير على مصراعيه، في انتظار القادم.
خرجتُ من الدار، ودقات قلبي تزقزق مع الكتاكيت الجميلة، إنه “الدوار” مرتع الصبا ومسقط الجذور، ومحتضن طيش الشباب. وأطلقتُ قدميّ في الطبيعة الغناء، قادتني الذاكرة إلى المرعى الأخضر، الذي أمضيتُ فيه الطفولة مع هيثم ولد الشريف، وأحمد ولد لفقيه، وعيشة ركيكة، يا الله! ترى لا يزالون في الدوار؟
إذا الشعب يوما أراد الحياة ••• فلا بد أن يستجيب القدر
اخترق الصوت سمعي، كأنشودة غجرية في ليلة قمرية، وغير بعيد رأيتُ قطيعًا من الأغنام، يسوسه راعٍ صغير، ناديته، فجاءني بسرعة من تعودت قدماه على الحقول. أول ما أثارني في الطفل، سنه المكسور، وطربوشه المصنوع من الدُوم، وفي فمه سنبلة ناضجة، وعيناه اللتان قدتا من ليلٍ بهيمٍ، وأسمال مرقعة تستر جسده النحيل، سألتُه:
– أنى لكَ بهذا الشعر؟
اعترته ابتسامة صافية، عكرها تلصص مخاطه:
– وما هو الشعر؟
– الشعر كلام موزون مقفى ومخيّل يدل على معنى.
وانتبهتُ أن الحيرة غزت ملامحه، فاستدركتُ:
– هذا الكلام الذي كنتَ تقول قبل قليلٍ.
– آه ! لقد حفظته من الراديو.
– أوَلا تدرس؟
– لقد اكتفيتُ بنعاجي، أعلمها ما سمعته من المُدرس، وهي الأخرى لا تتوانى عن مشاركتي بمأمأتها. على الأقل هي تفهم تعليماتي، فنحن أبدًا لم نفقه شيئًا مما كان يدرس لنا.
– وماذا درسوكم؟
– الفلاح يقوم في الصباح يسعى للفَلاَحِ، تعطيه الحقول ما يشاء. فبربك أليس هذا كذب محض؟ نحن من نعاني طوال السنة، لأجل التربة كي تعطي في الأخير خيراتها!
فسألته:
– وماذا كنتَ تريد أن يدرسوك؟
مسح مخاطه بكم قميصه، ثم سدد لي عينين مصممتين:
– الصدق! يا…
– دكتور
– دكتور!
ووضعتُ يدي على كتفه، وَسرنا…
* كاتب من المغرب
رائع جدا، ستصير مع الكتاب الشرقيين إن شاء الله