675
0
540
0
816
0
991
0
340
0
41
0
76
0
52
0
63
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12784
0
12385
1
12097
0
11516
5
9175
0
محمد زريق*
ثلاثة أشهر، وأنا أراقبهم وأتحسس أخبارهم. اعتقدتُ أنهم نسوني في رمسي البارد، فقط أهالوا علي الثرى، ولم يرووا تربتي ماءً؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم، لكأنني كنتُ عبئاً سيزيفياً عليهم، رموني للموت وعادوا إلى حياتهم. لكن صديقي الملاك الطيب يزورني مرتين في اليوم، فينقل لي أخبارهم. بيد أنني أشعر به يكتم علي أمراً. وفي آخر مرة حدثته، توسلتُ له، بأن يستأذن الأب لي في زيارتهم لدقائق معدودة، فجاءتني الموافقة، فسعدتُ أيما سعادة بها. حرر الملاك روحي، فانطلقتُ كالسهم النافذ من قوس مشدود، إلى وجهة أعرفها جيداً.
ومن ثقب في قصدير السقف، أطللتُ على عائلتي الصغيرة. كان الصبح يطل على الكون في حياء الخَرِيدَة، فطفقت الخيوط الذهبية تتسلل داخل الغرفة المظلمة. ثقوب القَصدِير مثل سروال بال ٍ، مخروق الجيوب لا يمسك ما فيه. كنا في الصيف تلفحنا الحرارة الشديدة، حتى تخالنا في فرن بشري، وأما في الشتاء، فكان المطر يقيم معناً، فتبدأ تراجيديا الغرق … لكن مهلاً!
فإني أرى هالة تتحرك تحت الفراش، وها هو ذا جسد هزيل البنيان، يفتح النافذة الوحيدة في البَرّاكة، يقبل الطيف كفيه في خشوع ورضا. هذه الملامح ليست بالغريبة علي! ينتقل لأقصى الغرفة، فيطمئن على أربعة أطفال نائمين في دعة وسكون، يضع البراد على النار، ويكر راجعاً إلى الفراش، فيقول الطيف:
– استيقظ آسي رحال.
إنها أمي! تبينتُ صوتها الحنون، فنبرتها لا تخفى علي، لقد غدت أكثر نحافة من سَفود الشواء. لكم تغيرتِ يا أماه في مدة وجيزة. تذهب كديدنها لتفتح الباب الخشبي، الذي تئن مفاصله المصنوعة من الكاوتشوك، فيكون هذا إعلاماً لأهل البَراكة، بأن يومًا جديداً قد أقبل. فتشرع في كنس عتبة الباب، وتتبادل التحايا مع جاراتنا:
– صباح الخير والربح اللارقية … صباح الخير اللا السعدية …
ثم تعود لأطفالها، فتعيد ما قامت به بالأمس، تغير الحفاظات وتبدل الثياب المبللة؛ ألمح مكاني فارغًا وسط إخوتي، فأرقُّ لحالهم. ما زالت أمي تغير السراويل المبتلة، وهي راضية عن قدرها، شاكرة الأب على نعمه، وإن كُنا معاقين لا نتحرك من مكاننا قيد أنملة. كانت القذارة على أجسادنا، والرضا يشع من محياها، تقبل كل واحد على حدة، قائلة:
– (يا فرحي بوليدي) ..
تتحرك الأجساد الأربعة حركات مضطربة لا إرادية، فلا تُسمَع منهم كلمة، ولا تند عنهم آهة؛ فالخرس حفهم والصمم جبلهم. تشرئب رؤوسهم من عشهم الصغير، وبقية من وَسَن يعلوهم. ترفع أمي البطانية الوحيدة التي تدثرهم، ثم تخرجها إلى أشعة الصباح بغية تبديد رائحة البول النفاذة، تنقلهم لوسط الغرفة حفاة عراة، يتسلل إليهم دفء الشمس من النافذة. وبعدها تأخذ في جمع الفراش والتقاط الملابس المتسخة، ثم تهرول للبراد المزمجر، وهي نشيطة كنحلة وسط حقل أقحوان.
يستيقظ، فيجد أمي قد حضرت كل شيء، الطاولة الخشبية قد نصبت وسط البَراكة، ووُضِعت عليها صينية الشاي وبعض حبات من الزيتون، وخبزة محروق وجهها. وقد تحلق الأطفال حولها، فتدعوه أمي:
– هلم آسي رحال الفطور جاهز.
فيرد عليها بصوته الأجش، ونظرة اشمئزاز تعلو صفحة وجهه:
– الشاي والزيتون مجدداً !
يخرج قبالة الباب يصطاد ضياء الشمس، وهو يتكئ على عصا خشبية، تعين قدمه اليمنى التي أكلتها الغرغرينا. فيُسمع صوت بصاقه وسبابه، وتطلق الهررة سيقانها للرياح فارة من براثنه. يعود لينضم إلى حلقة الأفواه، التي بدأت تلتهم طعامها في صمت وقناعة. راحت أمي تنفخ وتبرد الشاي، بإضافة القليل من الماء في الأكواب، كيلا تحترق ألسنة إخوتي، ووضعت كسرة خبز وحبة من الزيتون المُرَقد أمام كل واحد. لكن العائلة ينقصها فرد، فمكانه يترك فراغاً مهولاً داخلها، ترى متى يعود؟
تنتهي دقائقي المعدودة، فتنسحب روحي إلى القبر سحباً.
بُعيد أذان العشاء، تنعتق روحي من أغلالها، فأنطلق إلى بيتنا، ومن ثقب قصديرنا، أسترق النظر. كانت البَراكة تسبح في العتمة، وإن كافحت شمعة ذائبة على نشر بصيص من نور. على الطاولة قنينة “المَاحيَا” الخاصة به، وهو يدندن أغنيةً شعبيةً (واحد ليلة فباري، خارج عمري من لبار). أبحثُ عن إخوتي وسط الظلام، فيصلني تنفسهم مرتجفاً خافتاً وخفيضاً، كما لو أنهم غير موجودين. أمي على مقربة من الطاولة تحيك التريكو، الذي لن تنتهي منه أبداً. يمضي الليل حثيثاً إلى منتصفه، فتلعبت الخمرة برأسه، يتلعثم لسانه، وتنفك عقال صوابه، فينهر أمي:
– أنتِ وأولادك نحس … رحمكِ ملعون لا يلد غير المعاقين!
يعم الصمت لبرهة، فلا يدوي صوت الأشباح، هذه الهياكل التي لا ترتاح، يردف:
– أجيب؟
ثم أترَع كأساً من خمرته، ومدها إلى أمي معبراً به عن أريحيَّته. وهنا وجدتني أشعر بأن الزمان متوقف في هذه البراكة؛ فالمشاهد عينها تتكرر. فما إن ترفض أمي الكأس؛ حتى يركبه شيطانه، فيهب كالمسعور، يخرج حزامه، ينهال بالضرب يميناً وشمالاً، لا يفرق بين الأم وأولادها، فهو يعتبر رفضها طعناً في رجولته.
ووسط صراخ أمي، تدلف فتاة ثلاثينية العمر، هيفاء الخصر، واثقة الخطى، عبلاء الشوى، حلوة القسمات، دهماء الشعر، تلبس سروالاً من الجينز يبرز مفاتنها، ويزيدها جمالاً. بدخولها يتوقف البكاء والضرب، وبإشارة من عينها تقهقر لمكانه. وهو ينتزع منها محفظة نقودها.
إنها أختي رحمة ! ربّ بيتنا، ومعيلنا الوحيد.
يعود إلى خمرته في هدوء، بينما أخذت أمي تلملم بقايا كرامتها، ومُسِحت دموع إخوتي. لكن عقلهم وشم الذكرى، فأخذت رحمة تراضي النفوس، تارة بالمال وتارة أخرى بالكلام المفرح، أو بهدية تحملها بين ثنايا نهديها، -كما كانت تفعل معي دائماً-. وانقضت أنفاس الشمعة، فرجعت أمي لحضنه، وعانقت رحمة إخوتي وناموا.
على أنني استطعتُ، أن أكتشف ما استحيا الملاك منه؛ فهالة أمي منتفخة ومضطربة، وبها لون جديد يتألق. وهذا -كما سأعرف- آية على حياة قادمة.
*كاتب من المغرب
التعليقات