مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

مازن محمد* أخوه محمد على يساره يقود السيارة التي تركت للتو حدود المدينة المنورة، …

وجهتا نظر

منذ 6 أيام

127

0

مازن محمد*

أخوه محمد على يساره يقود السيارة التي تركت للتو حدود المدينة المنورة، حيث بدأت تتضاءل كثافة المباني السكنية وتبرز عوضًا عنها مساحات مسوّرة فارغة وجبالٍ متكاتفة تنشد الدفء من بعضها البعض، خصوصًا مع اقتراب رحيل السنة الميلادية من صفحات التقويم وترديد الألسنة، الوجهة متفقٌ عليها من قبل الأخوين: معاذ ومحمد، جدة المدينة التي فيها من روح المدينة.
يتقاسم عبد الله الرويشد -مع الصمت الصارخ مع حواراتٍ خجولة عن الحياة، والعائلة مرورًا بكرة القدم ونتائج المنتخب في كأس العرب- الفراغ داخل السيارة، بعد ساعتين تقريبًا بدأت انقباضات الجوع تحرجه: محطة ساسكو قريبة دعنا نستزيد طعاماً.
– حسناً يا معاذ، وتستزيد السيارة وقوداً.
هو يشعر بأخيه معاذ جيداً، بالحزن الذي كبّل يديه ورجليه عن الحرِاك وفمه عن الابتسامة وروحه عن التحليق، سعيدٌ لأنه استطاع إخراجه من عزلته التي طال أمدها بعد وفاةِ والدهما قبل 5 أشهر.

يفتح باب الراكب بيمينه وينزل متثاقلاً يحاول تمديد عضلاته التي انكمشت من الجلسة في وضعية واحدة لمدة ساعتين، الجو باردٌ كئيب وصفير الريح مع لغاتٍ غير مفهومة من قبل المعتمرين يكسر الصمت العائمِ في المكان، يجول بصرهُ في الأنحاء كأن مصابيح الإضاءة خافتة تتسابق للعتمة، يرى أوجهاً جامدة لا تنعكس أحاديثها على ملامحها، يتهيأ له أنهم يتحدثون عن أزماتِ العالم وحروبها وعن مفقوداتهم من الأشخاص والأشياء والمشاعر، تذكر والده حين رأى كهلاً يدفعه ابنه فوق كرسيٍ متحرك، ويرفع قدمه مراراً كلما تدحرجت من الحديدة المثبتة، تومض مشاهد مشابهة في ذاكرته كبرقٍ يجرح صدر السماء.

يشيرُ إليه محمد بيدهِ اليمنى وهو عند مدخل مطعم البيك بعد أن طلب وجبتي العشاء، انطلق باتجاه المطعم كأنه يجر أثقالاً، حتى عندما اقترب من أخيه سأله: أي مشروبٍ تريد.
– أكتفي بالماء.
جلس على طاولةٍ تحتضن كرسيين فقط، وبدأ يراقب الرقم الذي يتصاعد في شاشة العرض والدّال على أنه حان دور أحدهم ليأخذ وجبته، بعد عشرِ دقائق أتى محمد بالوجبات ووضعها على الطاولة: الحمد لله لم يكن هناك زحامٌ كالمعتاد.
بدأ بتناول قطع [المسحّب] ببطءٍ شديد كأنه بين كل قطعة وقطعة يُصلي الاستخارة، أخوه أمامه يحاول فتح حواراتٍ شيّقة يطفئها بردّه المقتضب بكلمةٍ أو كلمتين، بداخلهِ يقينٌ أن محمد يحاول جاهداً في إخراجه من هذا الحيز الحزين الضيق إلى وسعِ الحياة، لكن بداخلهِ فقدٌ أبى أن يتلاشى رغم مرور 5 أشهر.

يفتح باب السائق بيساره بعد أن أطفأ محرك السيارة وينزل متفائلاً ليأخذ شهيقاً كأنه ابتلع هواء الكون، لفحَته نسمة باردة دغدغت مشاعره فهو يعشق الشتاء وتفاصيله، تتعارك روائح الأطعمة أمام أنفه وبدأ يلاحق كل رائحة بنظره حتى استقر عند مطعم البيك، فهو من عشاق المسحّب الحراق وكذلك أخوه معاذ، إنه يلمح بهجة المعتمرين وهم يرتدون البياض الناصع وبداخلهم أملٌ كبير برحمةِ الله وعفوه، وبلغةِ الابتسامة يتمنى لهم التسهيل والتوفيق، الإضاءات ساطعة وفوقها النجوم تملأ فراغات السماء كأنها تراقبه، بخطواتٍ واثقة متجهة نحو [البيك] يسير ويستمعُ من جانبيه أحاديث تحفها الأمنيات والأحلام بأفواهٍ شتّى، حتى الضحكات تعلو وتهبط كأنها أغنية لا تصعب على الكون فهمها.

لم يكن المطعم مزدحماً كالعادة، طلب وجبتين وأخذ رقم الدور، لم يجد أخاه معاذ حوله بحث عنه بعد أن فتح باب المطعم وجده في منتصف المسافة بين السيارة والمحطة المقابلة للمطعم، أشار إليه بيدهِ اليمنى لتنبيهه، وأجاب النداء، سأله: أي مشروبٍ تريد؟
أجابه باقتضاب: أكتفي بالماء يا محمد.
وهو في انتظار طلبه بدأ يلمس بنظره تفاصيل أخيه معاذ وهو جالسٌ على طاولةٍ صغيرة، يسأل نفسه كيف يُخرج أخاه من هذا المعتقل الحزين، رآهُ يُحدّق في أرقام الطلبات على الشاشة فخُيّل له أن الجوع وصل منتهاه، حاول تعجيل العامل على تجهيز الطلب، وضع الوجبتين على الطاولة وبدآ بالتهام البطاطس ثم قطع المسحّب، وعند انتباههِ أنه أسرع من أخيه في الالتهام صار يسأل بإسهابٍ ولا يلقى أجوبة مشبعة، بل بالعكس يزيد من جوع الاستفهامات، هو متفهمٌ وضع أخيه الذي كان ظل والده خصوصًا أواخر أيامه حين دنوّ السماء منه، وبداخله دعواتٍ صداقة أن يفرّج الله عنه هذه الكربة وأن يعود كما كان شمساً مشرقة.

*كاتب من السعودية 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود