مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالله النصر* تُنير شمس سبتمبر الذهبية واجهات زجاج ناطحات السحاب في الرياض، فيح …

الرمل والزمن

منذ 7 أشهر

633

0

عبدالله النصر*

تُنير شمس سبتمبر الذهبية واجهات زجاج ناطحات السحاب في الرياض، فيحيل المدينة إلى لون أخضر متوهج. أنا، عبدالعزيز، أقف مع رفيقيّ، صادق ومعتوق، على حافة ممشى الطريق، لكننا لا نرى الحجارة القديمة، بل نرى سرابًا من الماضي والمستقبل يمتزجان أمام أعيننا.
هواء اليوم الوطني لا يحمل فقط رائحة البارود والزعفران، بل يحمل همسًا غريبًا، خفيفًا كرمال تتساقط في ساعة زجاجية عملاقة.
– هل تسمعون؟
همس معتوق، صوته يشبه خرير ماء في صحراء قاحلة.
نصمت.. لا شيء سوى دوي الطائرات تلوك ألوان العلم في سماء أسبه بقطعة ياقوت.. ثم يبدأ الصوت بالعلو.
صهيل خيل يأتي من بعيد، قادمًا ليس من الشارع، بل من داخل الأرض، من شقوق في الزمن نفسه.
تضطرب الأرض تحت أقدامنا. لا، ليست الأرض، بل هي ذاكرتنا. ينحني صادق، يلمس الرصيف بحنين، عيناه تُغلقهما على ألم قديم:
– أشعر بحرارة الحصان تحت فخذي.
يقول وهو يرتجف كورقة نخيل في مهبّ ريح قوية.
قبل أن أسأله، أراهم، أشباح محاربين يمتطون خيولًا شقراء، تخرج من جنبات القصور الطينية، تتسلل بين سيارات الدفع الرباعي والمارة بأزيائهم التقليدية. هم لا يروننا، ونحن نراهم كأنما ننظر عبر ستارة ماء متحركة.
– إنه اليوم نفسه.
أقول وأنا أشعر بقلبي يطرق كطبل حرب. فأردف:
– اليوم الوطني ليس تاريخًا في كتاب، بل هو نبض يتكرر كل عام، يعيد تشغيل اللحظة نفسها بأشكال مختلفة.
يهز معتوق رأسه، نظارته الشمسية تعكس أشباح الخيول والسيارات في وقت واحد.. فيقول:
– الزمن لا يمر، بل يتجدد. مثل جلد أفعى، ينسلخ ليظهر تحته نفس الجسد بلون جديد.
نبدأ بالتحرك، مسحوبين بتيار غير مرئي. أشباح المحاربين تذوب في ضجيج الاحتفال الحديث. رائحة البارود تتحول إلى رائحة الفلافل المشوية على عربة قريبة، وصهيل الخيل يذوب في أغنية وطنية تطلقها سماعة كبيرة.

نصل إلى ساحة المصمك.. هنا، حيث تختبئ الذاكرة العطرة في جدران الطين. أضع كفي على الحجر البارد. فجأة، لا أعود أنا من يلمس الحجر، بل الحجر هو الذي يلمسني. يسحبني إلى داخله.
أجد نفسي واقفًا في فناء القصر، الذي ينفث رائحة البخور، لكن صادق ومعتوق لا يزالان بجواري، يرتديان الآن غترات بيضاء وشماغًا أحمر، وجوهما مغطاة بغبار الرحلة الطويلة. أنظر إلى نفسي، فأرى سيفًا في حجري، وعباءة ثقيلة على كتفي.

– عبدالعزيز.
يقول صادق بصوت أجش، مختلف. فيكمل:
– الليلة نحلم بوطن.
أشعر بثقل المسؤولية يسحق كتفيّ كجبل من حجر. لكن قبل أن أنطق، تذوب الصورة. يعود ضجيج السيارات، وزحام الأطفال حاملين الأعلام الصغيرة في فرح لا يوصف.
نترنح نحن الثلاثة، نتكئ على بعضنا.. عيوننا واسعة، أنفاسنا قصيرة.
– ماذا حدث؟
– هل غفونا؟
– هل أصابنا جنون الشمس؟!
ينظر إلينا رجل عجوز جالس على مقعد، عيناه عميقتان كبئر مهجور.. يبتسم ابتسامة تعرف أكثر مما تقول.
– الزمن ليس خطًا مستقيمًا، يا أبناء.
قال هذا، بصوته الذي يشبه صوت الرمال. فأردف:
إنه دائرة.. وأيام الوطنية الكبرى هي نقاط على محيط هذه الدائرة.. لحظات نادرة يمكنك فيها رؤية المركز، رؤية اللحظة التي انطلقت منها كل اللحظات العطرة.
يسكت، ثم يضيف بنبرة تحمل كل حكمة الدنيا:
– أنتم لا تحتفلون بذكرى… 
– أنتم تستعيدون طاقة التأسيس العابق.
– تشحنون بها حاضركم المميز.
يمر طفل صغير، يرمق علمًا صغيرًا في يده. ينظر إلينا، ثم إلى الرجل العجوز، ويمرر يده في الهواء كما لو كان يلمس شيئًا غير مرئي. نصمت نحن الثلاثة. لم نعد نحتاج للكلام. الهمس عاد، لكنه الآن داخلنا. نبض واحد يجمع بين دقات قلب المؤسس، وهدير محركات الطائرات، وضحكات الأطفال.
نرفع رؤوسنا نحو السماء.. الطائرات تنسج أخيرًا اللون الأخضر فوق اللازوردي. في هذه اللحظة، لا فرق بين الرمل والأسمنت، بين السيف والهاتف، بين الماضي والحاضر.. كلها خلطة سحرية في زجاجة عطر نفاثة.. الزمن يتنفسها، ونحن داخل رئتيه ننتشي.
والقصة.. لم تنتهِ.. لأن الدائرة لا تنتهي.

*كاتب من السعودية 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود