مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

سونيا أحمد مالكي*  كانت الدرعية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري واحةً تتكئ على …

الخديجة النجدية موضي بنت وهطان.. امرأة فتحت نافذة التاريخ

منذ 3 أسابيع

74

0

سونيا أحمد مالكي* 

كانت الدرعية في منتصف القرن الثاني عشر الهجري واحةً تتكئ على سفوح الوادي، تحيط بها بساتين النخيل، وتتوزع بيوتها الطينية كأنها عقدٌ من ظلٍّ وتراب. الماء ينساب في السواقي الضيقة، وصوت المؤذن يرتفع مع الفجر، فيمتزج بنداء الريح بين سعف النخل وخرير الجدول.

في ذلك الصباح الربيعي، وقفت موضي بنت سلطان آل وهطان، زوجة الإمام محمد بن سعود – أبو عبد العزيز – في فناء بيتها. كانت رائحة القهوة المحمّصة تختلط بعبق الهيل، دافئة ونفّاذة، تعم المكان وتستقر في الذاكرة، مترافقة مع رطوبة الطين بعد سقي النخل. راقبت خيوط الشمس وهي تزحف ببطء على الجدران، وتوقفت عند ظلّها الممدود على الأرض، كأنها تحاول أن تستنطق ما تخبئه الساعات القادمة.

لم تكن امرأةً تطلب الظهور، لكنها كانت تملك حسًّا نافذًا يدرك أن بعض الأيام لا تمرّ عابرة، وأن كلمة تُقال في لحظة كهذه قد تفتح بابًا لا يُغلق.

دخل عليها أحد رجال العائلة بخطوات متسارعة، يحمل في صوته قلقًا لا يحتاج إلى تفسير:

– “يا أم عبد العزيز… نزل في الدرعية رجل غريب، في بيت الشيخ فلان. اسمه محمد بن عبد الوهاب.. يدعو إلى التوحيد، وينكر ما اعتاده الناس.. والحديث عنه يكثر، والخشية منه أكثر”.

سكتت لحظة، وأمسكت بفنجان القهوة، فانتشر دفؤه في كفّها.. ثم سألت بصوتٍ هادئ:

– “أهو رجل علم؟”.

– “نعم، لكنه شديد، لا يلين”.

انخفض بصرها إلى سطح القهوة، حيث كانت الفقاعات تتلاشى واحدةً تلو الأخرى.. مرّ في خاطرها ثقل الشدة، وعواقبها، ووجوه الرجال الذين قد يقفون في وجه كل تغيير.. ثم رفعت رأسها وقالت، كأنها تحسم أمرًا داخليًا قبل أن تنطق:

– “بل هو رجل جاء في وقته”.

وحين عاد أبو عبد العزيز مساءً، بدت عليه آثار يومٍ طويل.. وضعت له القهوة وجلست قبالته.. لم تُعجله بالكلام، تركت للصمت أن يسبقها.

قالت أخيرًا:

– “بلغني خبر الرجل الذي نزل في الدرعية”.

رفع بصره إليها متحفظًا:

– “الناس مختلفون فيه، يا موضي.. بعضهم يراه مصلحًا، وآخرون يرونه باب اضطراب”.

اقتربت قليلًا، وقالت بصوتٍ منخفض لا يخلو من ثبات:

– “هو يدعو إلى ما دُعي إليه من قبل، إلى توحيدٍ خالص.. قد يخاصمه الناس، لكن الحق لا يُوزن برضاهم”.

تنفّس بعمق، وأدار الفنجان بين يديه، كأن دفء القهوة لا يخفف ثقل ما يفكر فيه:

– “الدخول في هذا الأمر ليس يسيرًا. قد نخسر من حولنا، وقد نقف وحدنا”.

نظرت إليه طويلًا.. كان في عينيها قلقٌ لم تُخفه، لكنه لم يكن قلق التراجع، بل وعي من يعرف ثمن الطريق:

– “أعلم ذلك.. وأعلم أن السلامة في السكون، لكن السكون لا يصنع إلا أيامًا تشبه نفسها.. إن خشيتَ الناس اليوم، ساقوك غدًا.. وإن أردتَ وجه الله، فامضِ… فبعض الفرص لا تعود إن أُدير لها الظهر”.

طال الصمت. خارج البيت، كانت الريح تحرّك سعف النخل، وفي الداخل بدا كأن الجدران نفسها تُنصت.

مع الفجر، خرج أبو عبد العزيز وحده. لم يُكثر من القول، ولم يصطحب أحدًا. اتجه إلى بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب. كان اللقاء بسيطًا في ظاهره: مجلس متواضع، ورجلان، وكلمات قليلة.. غير أن المكان كان مثقلًا بلحظة فاصلة.

قال أبو عبد العزيز:

– “نقيمك بيننا، ولك الأمن والمنعة، ولنا النصيحة والدين”.

أجابه الشيخ بهدوءٍ حازم:

– “وأبايعك على أن نقيم شرع الله، وننشر التوحيد“.

لم يُسمع بعد ذلك صوت.. لا إعلان ولا احتفاء. وحين خرج أبو عبد العزيز، كانت خطواته أبطأ، كأن على كتفيه عهدًا جديدًا، أو حملًا يعرف أنه لا يُرد.

ومضت الأعوام…

وحين تقدّم به العمر، وسُئل عن اللحظة التي تغيّر فيها مسار حياته، كان يبتسم، ثم يسكت قليلًا، كمن يعود إلى مساءٍ قديم، إلى بيت طيني، ورائحة قهوة لا تُنسى، ويقول:

– “كانت كلمة… قالتها امرأة”.

ثم يضيف بصوتٍ خافت:

– “لولا موضي… لما كنت أنا”.

هكذا التاريخ قد يُدوَّن بأسماء الرجال،

لكن اتجاهه… قد ترسمه بصيرة امرأة.

*كاتبة من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود