364
0
260
0
2260
0
488
0
462
0
4
0
12
0
14
0
75
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13510
0
13355
0
12192
0
12131
0
9554
0

شمعة جعفري*
يضعنا القدر في مواضع تتسع فيها الرؤية، ونقيض فيها على العِبرة.. ومن لا يقتنصها يفوته من الحكمة الكثير.
لذا؛ اسمحوا لي بأن أستغل مكاني في البيت المقابل لأروي لكم القصة، كما رأيتها.
قصة جيراني.. تقليدية نعم.. لكنها ليست مملة إلى هذا الحد، لا صدمة ولا مفاجأة، فمن يعش قدر ما عشت لا شيء يفاجئه.
قصة مؤذن مسجد يحبه الناس، حباه الله بالخير وأعطاه من كل شيء؛ مالًا، وتجارةً، وأنعامًا، وامرأة جميلة، ينظر في وجهها فتسرّه، تزوج وهو ابن ثلاثين، لا أعيب عليه خلقًا ولا مالًا.
ذات صباح مشرق، إلى وجه الحدائق اصطحب زوجته، بسطها مفرشهما، أعدّا طعامًا، أكلا، فاقتربت طفلة ذات أربع سنوات أو أقل، أمسكت بقطعة لحم من أمامهما وجرت بقدميها الصغيرتين، وأمها تعتذر عن مقالب ابنة بريئة، والمؤذن يقهقه وامرأته تضحك.. نظرت إليه وقالت: «اللهم احفظها لأهلها وارزقني مثلها».
كمن لدغته حية، قفز، كأنما قد أصابته في كرامته، أو أهانته في روجولته: (لا بناااات.. بنات لا).
– ما بك؟ وأوقفت لقمة كانت تفتش عن طريق فمها.
– (الله يعطي ما يشاء، وإن سألتني عن رغبتي، فلا أريد إلا أولادًا، أريد من يحمل عني، ويساعدني، أريد من أفخر به، أريد عبد الرحمن.. إذا تأخر عرفت أنه سيعود، وإذا انتكس علمت أنه سينصلح)، قلبت الزوجة وجهها.. لم تعهده على هذا التحفز، طيش رأته في عقده الرابع، ولم يكن قد رفع صوته من قبل.
حملت المرأة، لا تدري بما تدعو، لسانها يقول: (ولد).. تريد أن تفرح الأب المتحفز، وقلبها يقول: (بنت) تفرح بها أمها، وتشاركها ذكريات الطفولة، وتضفران ذات عشاء شعريهما بالتبادل، فتصنعان جديلة من الحب والحنان. وبين هذه وهذه يزورها يقين الرب، فتهدأ وتقول: (كل ما عند الله خير).
لكن أسفرت الأشهر التسعة عن بنات ثلاث.
ثلاثة توائم نسائية تجري بينهن الأم كلما بكين، إن ضحكت إحداهن بكت الباقيتان، وإن شبعت واحدة صرخت اثنتان من الجوع (مريم وعائشة وخديجة)، لا تتذمر.. تمضي بينهن بالحب، وتعدل بينهن في القسمة، وتعرف أن الله اصطفاها بهؤلاء البنات، وليس من يد تعاونها ولا زوج يُطِلّ في وجهها.. ست سنوات وهي تُطعِم وتُلبِس وتُمشِّط وتمسَح، والزوج معلَّق مثل سكونٍ على حرف مجهول.
مرضت المرأة الطيبة، وأنى لها ألا تمرض، وهي الأم والزوجة والمربية والمنظفة والراعية، ولم يدم مرضها طويلًا، اصطفاها الله إلى جواره.
حين ودعها زوجها عاد ليرى من الباب المفتوح ثلاث بنات يحتضنّ صورة أمّهن الراحلة، ويبكين…
أفاق وبعض المصائب تُفيق، يبكي وهو يحتضن بناته الثلاث، يقسم أن لن يفرط في حقوقهن، ولن يشعرهن بغياب الأم الحنون، رفض الزواج وهو في ريعان فتوته، يخشى أن يأتي بامرأة تسيء إليهن، فيجمع إلى ظلمه الأول بالتجاهل، ظلمًا آخر بالإساءة.
كنت أراه من شرفة بيتي، وأنا أحتسي قهوة الصباح، كل يوم يمسك بناته الثلاث من أيديهن؛ يلثم كل واحدة، ويتركها لأبواب المدرسة الحانية.
لكن ضغط الأهل لم يهدأ… «تحتاج إلى زوجة»، قال له أقرباؤه، «لا بد من امرأة تحمل معك بناتك»، رجاه أصدقاؤه، وبعد التمنّع قبل على مضض.
تزوج بنت عمه، كانت صورة في الجمال، أفروديت الإغريقية، أو فينوس اليونانية، أو مزيجًا من هذه وتلك، يترقَّب شِدَّتَها على البنات فلا يجد منها إلا لينًا، ينتظر بطشها بهنَّ، فإذا حضنها يسعهن جميعًا، قالت له يومًا وهي تمشط شعرها الحاسر وهو يتابع انعكاس بسمتها الرقيقة في المرآة أمامه: (أعطاني الله نصيبي من البنات فيهن، وأراحني من آلام الحمل وصراخ المخاض!).
تتسع ابتسامتها، وهي ترى وجهه قد أربد، ومسحة من ضيق طفت عليه.. فتستدير له وتقول: «لكنني أعرف أنك ما زلت تحتاج إلى عبدالرحمن!».
– سميته عبدالرحمن قبل أن تحملي!
تضحك: (سميته عبدالرحمن قبل أن أحمل).
فتتسع ابتسامة المؤذن!
أذكر أنني شهدت ميلاد اثنين من أبنائه الثمانية، نعم.. ثمانية أبناء في عشر سنوات، وابنة واحدة سماها على اسم زوجته الأولى (أمينة)، ولم تعترض الزوجة الأصيلة، بل عدَّته عزاء لأم بناتها. وهاج البيت وماج بالأولاد، وأضحى الأبناء عِزْوة كما أراد أبوهم. وما إن شبوا حتى تزوج بنات (أمينة) الثلاث (مريم وعائشة وخديجة) وبقيت أمينة الصغيرة مع ثمانية أبناء، والأيام تمضي، ويحدودب ظهر الرجل، وينتشر أبناؤه في أنحاء الأرض، ما بين رجل أمن، ومعلم، وموظف، ولا يتصلون بأبيهم كأنما جاءوا من شجرة اقتلعوها، أو نبتوا من أرض أحرقوها، فإذا بادر هو بالاتصال لا يردون إلا بعد مرتين أو ثلاث، عذرهم دائمًا أن الهاتف معطوب، إنما القلوب هي التي عطبت من قلة نور الشمس… على كل، كانوا أفضل من إخوة آخرين لهم يعاقرون الخمر، ويأتون إلى البيت الكبير خلسة.
أذكر أنني يومًا من عشرين عامًا سمعتُ صراخ الابنة (أمينة) فطلعت إلى السطح، حين رأيت من الشرفة المفتوحة إخوتها وهم يرغمونها على شرب الخمر، وهي تصرخ، وأمها تنزل، وأبوها يردّ أمها، يظن أن إخوتها يؤدبونها، ويقول لها: دعي إخوتها يربونها!
أتذكر أنني تتبعت دموعها التي انسابت ساخنة حتى غفت على سريرها باكية محزونة.
لم تدرك أمينة من حنان أبيها غير حكايات إخوتها المتزوجات، ولا من طيبة قلبه غير ما يخبرها به حدسها… خمسة عشر عامًا كانت وما زالت قصيرة القامة صغيرة البنية، كيف تتزوج ابن عمها…؟! صرخت كثيرًا، لكنها ما كانت تجرؤ على المعارضة، ولم تنقل جدران الغرفة الصماء صرختها.
هدأت حركة المنزل، أيامًا كثيرة كنت أنظر من غرفتي إلى بيتهم فلا أجد حركة، ولا أسمع همسًا، سكن البيت الذي كان يعج بالصراخ، ويعمر بالحركة… لم يبق فيه إلا أب منحني الظهر وأم عجوز، وابن صغير مدلل (علي).
أنجبت أمينة، وكانت أمها تحوطها بالعناية، جاءت بـ(عُمَر) ومن بعده بفتاة كما بياض الشتاء، سمتها (زينب) على اسم أمها.. كانت هذه حياتها العامرة ودنياها كلها.. بعدها أصيب زوجها بالسحر، وظلت بين المشايخ والدعاء والصلاة له!
شبَّ (علي) ولحق بقطار إخوته، وما بقي في البيت إلا أطلال بشر؛ الأب العجوز المتغضن، والأم التي تبكي بعد أن أصابها (الزهايمر) تنادي باسم علي، فلا يجيبها (علي).. ولولا زيارات خديجة وعائشة ومريم، لكنا أقسمنا أن هذا لك بيتًا يومًا ما .
رأيت «أمينة» وهي تشمّر عن ساعديها.. تعبرني وعيناها تبتسمان: (أين تذهبين يا أمينة؟).
– إلى بيت أبي أرعاه في كبره، شيخ طاعن لا يسقي نفسه الماء.
فأربِّت عليها.
– استطعت أن أنقل أمي عندي، لكن أبي لا يريد.. ولن أتركه.. تكمل حديثها:
– أتحتاجين إلى شيء يا خالة؟
– أقول لها: نعم.. إلى ابنة مثلك!
– تضحك وهي تقول: وأنا ابنتك قبل أن تحتاجيني.
أدعو لخطواتها المباركات، وأسبقها بعيني، إلى حيث أبيها.. الذي يراها فتفرح عيناه، ثقل لسانه، لكن قلبه ينبض لها، كلما وضعت ملعقة في فيه، رفع يده إلى رأسه، كأنه يحييها، فتخفضها، وهي تقول له: (لا عليك يا أبي.. لا عليك يا حبيبي)، وتخفي دموعها الطيبة!
كنت أذهب معها وهي عائدة إلى بيتها لأرى أمها، وأرى بعين الحال كيف جعلت عمر وزينب طفليها يتنبهان في غيبتها لجدتهما.. وما سر شلال الحنان الذي يهبط منها، كأن أمها كل شيء؟!
طفلان يغيران ملابسها، يعطيانها وجبة العشاء، تقص (أمينة) أظافر أمها، وتضبط لها جلستها، ويصلون جميعًا؛ بدموع البر والرحمة.
تنام (الأمينة) ساعتين، ثم تستيقظ فجرًا، تصلي، وتيقظ ابنيها للصلاة.. تجهزهما للمدرسة، تعد وجبة الفطور لأمها، ولزوجها المسكين الذاهل.
وإخوتها كلهم، فيما عدا البنات، مثل فضلة في نهاية جملة إسمية.
ترفع يديها تتوسل، بدموع أمها، بجلباب أبيها، برفعة يده تحية لها على كل ملعقة طعام: يا رب.. لا تخيب رجائي.. وإذ بجوالها يرن:
– ألو السلام عليكم
* وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
– معنا الأخت أمينة بنت فلان؟
* نعم.
– مبروك لقد جاء تعيينك بمدرسة كذا… في مدينة كذا…
لتفاجأ بأن الله ساقها إلى مدرسة القرية التي تسكنها، الآن الجهد أيسر، تذهب إلى المدرسة، تعود إلى منزل والدها، تطعمه وتكسيه، ثم إلى بيت أمها، ثم تلتفت إلى طفليها، ثم تنام ساعتين لتستيقظ من جديد.
– تسألونني إن رأيتها يومًا شاكية؟!
* لا والله، ولا مرة واحدة!
– هل كانت تبكي؟
* فقط حينما كان يرفع أبوها يده كأنه يشكرها على جميل رأت أنها لا تستحق شكرًا عليه!
– متى رأيت أخًا لها؟!
● ما رأيت إلا إخوتها البنات على استحياء يجئن كل موسم!
كنت أراها وهي خارجة من البيت، وهي داخلة إليه، تذهب إلى ركن زوجها القابع لا يتكلم، فتربت على كتفيه، وتقبل رأسه، وهو عن دنيانا ذاهل، ما أعجب هذه المرأة! من أين لها بقوة الفولاذ وقلب طفل بريء؟!
ثم تيسّر حالها فجاءت لأمها بممرضة ترعاها، وتتابعها أمينة، وتذهب إلى أبيها فترات أطول، تفتح له التلفاز، وتنام إلى جانبه حتى إذا ندَّت منه حركة قامت مُفزَعة، تُدخِلُه إلى الحمام، أو تُطعِمُه لقيمات، أو تربت على صدره حتى ينام.
حتى حينما تزوّج (علي) من جارتنا في القرية، كانتْ بنتًا رعناء، صوتها عالٍ وصبرها نافذ من قبل أن يختبره مختبِر، لم يلبث يومًا أو يومين، حتى استطاعت أن تجبره على لزوم بيته، من صوتها العالي وشكايتها من خروجه المتكرر ولو لرعاية أبيه.
وهذا ابنه الثاني انتقل ها هنا من أعوام قليلة في منزل قريب، حتى أخرجوه منه بسبب سلوكه الشائن وانحرافاته الخلقية.
ليس سوى أمينة، تجلس إلى جوار أبيها الذي كفَّ بصره وقلَّت حيلته، لا يعرف من الدنيا غير حروف اسمها: ينطقها مبعثرة.. آميــــــنة، يطيل الياء.. ثم يرفع يديه تحية لها، فتبكي!
مرَّت الأعوام والخالة صاحبة السوالف (أنا) أراقب الدار التي كادت تنهدم.
– الأبناء؟
● كل في حاله، لم يحضروا سوى جنازة أبيهم من عامين، وجنازة أمهم في رمضان الماضي، ثم تفرقوا مثل النمل!
– أمينة؟
● أمينة تناقش الدكتوراه بعد شهرين، زاد راتبها، وتحسن حالها، وهي بين زوجها المريض وطفليها اللذين شبّا متفوقين في دراستهما، لا تعرف الحزن، لا تبكي إلا حينما تتذكر أباها أو أمها!
أنا راوية القصة على الضفة الأخرى من بيتهم، وأقسم لكم أنه ما ينفع الناس إلا الخير!
*كاتبة من السعودية