412
0
122
0
803
0
539
0
183
0
9
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13378
0
12214
0
12138
0
9570
0

أريج باجابر*
على الأرجوحةِ تكركر، يدفعُها أخوها ويضحكُ، لكركرتها يتوقّفُ، تتباطأُ الأرجوحةُ، يتوقّفُ كلُّ شيءٍ فجأةً، حتى النسيمُ الباردُ الذي كان جزءًا من اللحظةِ يتوقّفُ عن رقصاتهِ.
تنزلُ سما عن أرجوحتِها، تخطو بتردّدٍ وخوفٍ تجاهَ الأصواتِ، وعندما تضعُ قدمَها على العتبةِ تدخلُ الدارَ بعمرِ الخمسينَ، تمرُّ بالحُجُرِ الفارغةِ إلّا من صورٍ معلّقةٍ تمامًا كقلبِها.
تقولُ لجارتها: إنَّ ما يُمسكُ جدرانَ الدارِ عن الانهيارِ حزناً، صورُهم المعلّقةُ.
فبعدَ رحيلِهم رأيتها تنوحُ، كلُّ الصدوعِ والتشققاتِ تكونت في يومٍ واحدٍ.
قلتُ لهم في ذلك اليومِ يا نورةُ: إنَّ في قلبي عاصفةً، لكنّهم أصرّوا أن يذهبوا إلى الجبالِ للدفاعِ عن الوطنِ. قالوا: إنْ لم نكن نحن السدَّ أمام دباباتهم وجنودهم، فلا عزاءَ لأرواحِنا إذا ما اقتحموا ونهبوا ديارَنا.
ودّعتُ ابني وأخي، رششتُ الماءَ فوق آثارِ خُطاهما، وبقيتُ الليلَ كلَّه أُصارعُ عواصفَ قلبي.
مرّت ليلتان دونَ أخبارِ، نمتُ على أملٍ أن أستيقظَ على نورِ وجهيهما بعدَ أن ينتصروا في مواجهةِ العدوِّ ويوقفوا زحفَهم إلينا…
وفي صباحِ اليومِ الثالثِ خرجَ كلُّ من بقي في قريتنا من رجالٍ وأطفالٍ ونساءٍ. استيقظتُ على أصواتِهم، خرجتُ، فإذا الجميعُ يحملُ قلبَه فوقَ رأسِه، وأحدُهم يصرخُ: هناك جثثُ رجالٍ ملقاةٌ عند حدودِ القريةِ!
سقطَ قلبي وتدحرجَ أمامي، تجمّدْتُ في مكاني، وقبل أن تدهسه أقدامُ الراكضين نحو الجثثِ، حملتُه بين يديَّ وهرعتُ معهم.
لم أستيقظْ من فجيعتي إلا وأنا واقفةٌ حولَ الجثثِ، كانت النساءُ حولي يصرخن ويُولولن: مَن رأت ابنَها؟ وأخرى زوجَها؟ حتى الرجالُ لم يتحمّلوا المشهدَ.
أخذتُ نفسًا عميقًا، وبدأتُ أبحثُ بين الجثثِ، لا شيءَ، لا أثرَ لهم.
فجأةً، أطلقتُ أولَ رصاصةٍ قربَ قدميَّ، توقف الجميعُ عن البكاءِ. صرخ رجلٌ: “إنَّه فخٌّ، اِنْجو بحياتكم!”.
بدأنا نركضُ جميعًا والرّصاصُ ينهالُ علينا، تساقطَ البعضُ، ومن توقفَ لينتشلَ أحدًا سقطَ معه. وكأننا كنا غيمةً ضخمةً تسبحُ بقوةِ الرياحِ وتتركُ جزءًا منها في كلّ بقعةٍ.
عندما دخلنا إلى القريةِ، توقفَ كلُّ شيءٍ.. بقيت القريةُ محاصرةً بالرّصاصِ والجثثِ عدةَ أشهرٍ.. لم يكن أحدٌ يخرجُ من بيته، وإن خرجَ فلا يتعدّى الأمتارَ البسيطةَ حوله.
المأتمُ الجماعيةُ أجلّت، أمّا الأحزانُ والدموعُ فقد أغرقتا القريةَ.
بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ، انتهى الحصارُ، عادَ الناسُ إلى حياتِهم، أقاموا المأتمَ، دفنوا بقايا جثثِ أحبابهم. أمّا عني، لم أستطعِ أن أعودَ – لمدة سنتين- لا إلى نفسي ولا إلى الحياةِ. روحي تركتني، وبقيتُ تُحلّقُ حول القريةِ تنتظرُ عودتَهم.
كنتُ أنامُ وأستيقظُ كلَّ يومٍ على انتظاري وحُزني ودعواتي. لا أُحفلُ لطلوعِ الشمسِ وضوئها الذي يمدّ يده إليَّ كلَّ يومٍ عبرَ النافذةِ، فأصدُّه بالستائرِ، ولا ألتفتُ لغروبِها اليتيمِ الذي لم يُعْرَه أحدٌ منذ ذلك اليومِ أيّ اهتمامٍ. أهملتُ حديقةَ الدارِ إلى أن جفّت من وحدتِها وهجرتها الطيورُ. اسمع طرق جاراتي على بابَي، أفتحُ لهم بملامحي الشبحيةِ، ولا أدري ماذا يقولون لي.
آه يا نورةُ…
مرّت عشرونَ سنةً بلا أخبارٍ، لا أحدَ يدري: أَهُم أحياءٌ أم أمواتٌ؟ لا أعرفُ لهم مكانًا ولا قبرًا. اختفوا، تلاشوا، كأنهم لم يكونوا سوى في مخيّلتي…
تسألينني: ماذا فعلتُ وحدي خلال العشرينَ عامًا؟
يا نورةُ، أتعبني الانتظارُ. كلّ يومٍ أصحو على أملِ سماع خطواتِهم، لكنَّ هذا الأملَ كان يأكل من صحتي. كنتُ أحاربُ الزمنَ بالخيطِ والقماشِ، وكأنّي في كلِّ مرّةٍ أضعُ قطعةَ قماشٍ تحتَ إبرةِ الماكنةِ، أُخيطُ معها ذكرياتٍ كادت أن تتناثرَ على أرضِ الغياب.
أتعبتني وحدتي وطيفُ الأحبابِ الذي لازمني في صمتِ حجرتي وفي كلّ زاويةٍ.. لكنّي، عندما تنبّهتُ أنّي آنَسُ بكلّ زائرةٍ تأتي إليَّ لأُخيطَ لها ثوبًا أو فستانًا لابنتها أو بدلةً لابنها، فتخرجُ من عندي، وشعورُ الوحدةِ أقلُّ حِدّة، بزغ في قلبي ذاك النورُ الذي انطفأ، وتراكمت فوقه وحشةُ الفقد. قررتُ أن أفعل شيئًا لي ولأهل قريتي. قلتُ في نفسي: لا تغادري هذه الدنيا دون أن تتركي أثرًا لكِ ولأحبابِكِ الغائبين الحاضرين.
بعدَ سنتين من انتظاري المضني، اتّخذتُ قراري، مهّدتُ لنفسي طريقًا أضأتُهُ بنورِ قلبي ونورِ مَن رحلوا.
أخرجتُ ما عندي من حُليٍّ ذهبيةٍ، بعتها، واشتريتُ بها خمسَ ماكيناتِ خياطةٍ.. وفي الغرفةِ التي كانت تخصُّ ابني وأخي، وضعتها وجهّزتها لتكونَ غرفةَ تدريبٍ وتعليمٍ.
وضعتُ لوحةً خارجَ منزلي، كُتبت عليها: مشغل “سما بنور البشير”.
أخبرتُ جاراتي اللاتي قمن بدورِهنّ بنشرِ الخبرِ لكلِّ مَن ترغبُ بالالتحاقِ لتعلُّمِ الخياطة.. بعدَ عدّةِ أيامٍ، امتلأتِ الدارُ بالمتدرّباتِ، أصبحَ يومي مزهرًا بالناسِ، بالأملِ، وبالأحاديثِ الناعمةِ والتعليمِ.
عادَتْ ابتسامتي، وعادَ قلبي يُشرقُ رغم الحنينِ. لا أنتهي من تدريبِ خمسِ فتياتٍ حتى أبدأَ في تدريبِ خمسٍ أخريات، وخلالَ ستة أشهرٍ خرجتْ من بين يديَّ عشرونَ فتاةً متقنةً للخياطة. ثم اشتريتُ ماكيناتٍ أخرى، لتصبحَ الأيديُ المُدرّبة أيديً عاملةً. وضعتها في الحجرةِ الأخرى، فأصبحتِ الدارُ للتعلُّم والعمل، لا بل للحبِّ والعطاء.
كلهنَّ كنَّ بناتي. كنتُ أقسّمُ إنتاجنا: جزءٌ نبيعُه، وجزءٌ آخرُ يذهبُ للمحتاجين.
قلبي الذي كان في الظلّ اكتسى نورًا، وامتدّ إلى من حولي.
كلّما هزّني الحنينُ، وقفتُ أمامَ صورتَيهما، فأتأكّدُ بأنّهما سببُ نجاتي. هما من أشعلا النورَ داخلي، ورسما المعنى. أنظرُ إليهما وأقولُ: الآن يدخل عليّ أخي بشيرُ، بابتسامته شبيهةِ الشمس، وابني نورُ، بنكاته التي تُحوّلُ الدارَ إلى ساحةِ مرحٍ.
*كاتبة من اليمن