مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شمعة جعفري*   لعلَّ أباه الذي توفي غضبان عليه، كان أقلَّ من تألم! من عاشوا …

قميص يوسف!

منذ سنة واحدة

270

0

شمعة جعفري*

 

لعلَّ أباه الذي توفي غضبان عليه، كان أقلَّ من تألم!

من عاشوا معه ذاقوا صنوف العقوق وآيات الوجع والحسرة.. عود لا يستوي إلا ليعود للاعوجاج، يشبه سوطًا لا ينبسط قليلًا إلا ليؤلم في الضرب، أو مدفعًا لا يتراجع حتى يصيب أبعد!

خيبة لاكتها الأم المسكينة، وأخواته الخمس.

يراهُن فيزمجر، يشاهدنه فيتناثرن في كل مكان، مثل عقد منفرط. استبدل بحبه لهن كراهية مستوردة من لا مكان، وحقد كأنهن سرقن صواع الملك خاصته!

«المخوة على الدنيا وفي الآخرة بخت تلقاني»، كانت تقولها الأم حتى مال البخت وارتبك الميزان، آهآه، حتى الابنة المنعزلة المهجورة، الأرملة، تخشى إحداهن أن تفاتح ذاك الوحش الكاسر في أن تزورها!

هي الثكلى في ابن حي اشتاقت لابنتها وحفيدها الصغير؛ فعقدت عزيمتها على الذهاب إليها، توضأت وصلت العشاء، وفي الركعة الأخيرة أطالت سجدتها بدعوة ترددها: «اللهم أبنائي احفظهم، واجعل قلوبهم على بعض»، وفي داخلها علمت أن الولد لا خير فيه!

خرجت من منزلها، أمام أبناء الحارة الراكلين الكرة مرَّت، أوقف أحد الصغار بقية اللاعبين حتى تعبر، ابتسمت، لا تتذكر متى كانت آخر بسمة، تروت قليلًا وعادت إليهم والتفتت قائلةً: «من الذي أوقف الكرة؟» قالوا: هذا سعيد ابن سعد؛ بيتهم قريب من بيت ابنتك. 

– «بارك الله فيه وجعله قرة عين لوالديه»، ثم مضغت حسرتها تعدّ الخطى حتى بيت ابنتها الذي هجرته غصبًا عنها، منذ أن شبّ عود المشؤوم.

أين منزل ابنتي؟ أمام الدور المتشابهة وقفت حائرة. رفعت سبابتها؛ هذا.. أم هذا؟ تخطو إلى الأول قليلاً ثم تعود، وتمشي إلى الآخر قليلاً وترجع، ولماكانت لا تريد للنهار أن يمرّ حائرة، أو أن يراها أحد، فيظن بها عقوق ابنتها.. إذ لا تدري بعد تلك السنوات أي دار تقطنها. استعانت بالله ودخلت أحد البيوت، ومضت تدعو الله إن كان غير بيت ابنتها ألا يراها أحد، حتى أصبحت في منتصف حوش المنزل، جاءها صوت جهير.

ليس صوت الابنة.. صوت امرأة كبيرة في السنّ: «لن أسامحكلن أسامحك».. قالت وبكت.. فرقّ قلبها إليها؛ الوجع واحد!

«يا لعين.. تترك أختك وحيدة في المشفى، ألا تستحي.. خمس سنوات وأنت هاجرها ولا تعلم كيف حالها. ألم يكفك نصيبها من الإرث، وأختك الأخرى تتحين لتنقضّ عليها، مثل كلاب الشوارع؟! نسيت من كان يحملك، ويهدهد دمعك وأنت بعدُ صغير؟!».

«نسيت وصية أبيك الذي أمّنك بماله، وحماك بثوبه»؟!

«ظننتُ أن الله أعطاني السند، فإذا بالعصا أكلها السوس، والأرض مشققة، والأقدام تتلعثم.. منك لمن خلقك». 

صوت صراخٍ منه على أمه، وسبابٍ لم تتبيّنه.. أرادت أن تعبر الباب وتقول: «الوجع واحد»، لكنَّ حياءها أرجعها.. على عتبة الباب سمعتها مدوِّية: «ليتني لم أنجبك». 

فرددها قلبها، وإن لم تجرؤ شفتاها!

هل تقول هي الأخرى كما قالت المكلومة في ابن يقهرها، كأنه ذنب لا يغتفر؟!

هل يرسل الله لها ذلك الوجع القريب ليطمئن قلبها وتهدأ أنفاسها، وتعلم أنه لا ذنب في تربيته، وأن الضلع المعوجّ لا ينصلح إلا بالشدة؟!

أدنت عليها حجابها: «البيوت أسرار».

قالتها وعرفت أن مقصدها في البيت المجاور، وما أن دخلت حتى استقبلها حفيدها، قمري الوجه مبيض الثوب واثق البسمة.. يداه مبلولتان، ماذا كنت تفعل؟!

كنت أغسل قدم أمي بالحناء!

يا الله! وبكت الأم.. بكت بدمع الابن العاصي المنشق، وباستنجاد المرأة في البيت المجاور، وبعوض الله على الابنة الطيبة؛ بابن يوصلها بالدنيا، وتقيم به ظهرًا، وتنفرج به أسارير!

«الحمد لله الذي أكرمنا وأعزنا وبارك لنا في أبنائنا الحمد لله»، وقبلت حفيدها.

«مالك يا جدتي منذ أن دخلت والدموع في عينيك؟ أغضبك أحد؟!»،

ثم نظر إلى أمه، تأسفا، كان يريد أن يقول: «أهو خالي ككل مرة؟!»، لكنه سكت.

ردَّت الجدة: «سمعت عمتك تبكي بالبيت المجاور.. تقطع قلبي عليها. ولم أستطع الدخول عندها وهي في تلك الحال».

أمسكت ابنتها بيديها: «اه يا أمي أنت سمعتِ صوتها ولم تريها؛ فقد نحل جسمها البض، وشحب وجهها المشرق. أهلكها عقوق ابنها. يا أمي لا تعلمين كم أن أهل الحارة يحبونها؛ طيبة مع الصغير والكبير، وتتفقدهم جميعا، لا تردّ أحدًا يحتاج إليها. الآن تجلس محرومة من زيارة ابنتها المريضة بسبب صدود هذا الغبي. ابيضت عيناها من كثرة البكاء. قتلها الشوق والحنين لأمها التي حرمت من رؤيتها، ولزوجها الذي توفي كان مرضه أياما معدودة».

بكت الابنة، وأشاعت الجدة مراسم البكاء، لولا تصلب الحفيد لبكى.. متى تلد الأم سيدها؟! كيف ينسى الابن أنه من ضيق بطن الأم جاء، يتسلط على من كان هو في يديها صغيرًا مغمضًا، لو أرادت إسكاته إلى الأبد لفعلت، أو رغبت في عجزه لأصابته بعاهة؟!

أسدلت الأمّ نقابها وبكت، ثم انصرفت قائلة: «في أمان الله.. انتبهي على أبنائك (فما يكبرون عليه يشيبون عليه)».

خرجت من المنزل وعادت أدراجها، بخطواتها البطيئة اتسع لها الطريق، رأت ابن الإمام الذي أمسك عنها الكرة ممسكا بكف امرأة كبيرة في السن يقودها خارجة من المنزل الذي دخلت إليه بالغلط، يقول لها: «والله يا جدتي لا تغضبي.. خالي لا يقصد، أنا معك لو احتجت لشيء، سأزورهن نيابة عنك».

وهي تربّت على الصغير!!

ابتسمت من خلف نقابها: «مطر الله يسقط حيث تنبت الأرض».

خاطبت الصغير الممسك بيديها: «لا يا حبيبي، أريد أن تدلني فقط على بيت خالتك أم عبد الله، لو لا أراها، أريد أن أشم قميصها، أموت وأضمها في صدري ضمة أخيرة»!

عرفت المرأة التي تنظر للمشهد كيف توجّع يعقوب، وأي قسوة كانت لدى إخوة يوسف، عيناها كعيني نبي ابيضتنا من القهر..!

لحق بها ابنها على بعد خطوات، وأمسك بها، وصفع ابنه بكفه الباطشة!

أعادها قبل أن تكمل رحلتها إلى الابنة المريضة، همّت المرأة أن تتدخل، لولا أنها تعرف فيه غفلة ابنها واندفاعه، وهي امرأة كبرى لا تملك سوى الدعاء!

تردد الحارة كلها هذه الحكاية، لا يملون منها، يعرفون جميعًا أنها عادت بالقوة إلى بيتها مثل سجين مظلوم، تحاول الهرب فلا تستطيع، والناس تقلّب أكفها، والدعوات تنهمر على رأس ابنها المنشقّ عن درب الخير كله، يقول الحفيد إنها «صلّت الوِتر وفي السجدة الأخيرة أطالت سجدتها بدعوة (اللهم احفظ بناتي من كيد أخيهم.. اللهم احفظهم.. اللهم احفظهم) ولم ترفع رأسها بعدها، إلا حينما دخلت عليها ابنتها مع المغسلة». 

 

*كاتبة من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود