430
0769
0
375
0
378
0
201
0
1
0
2
0
2
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13380
0
12214
0
12138
0
9571
0

جيهان عمر*
قابعة هنا أرصد الحكايات المسافرة؛ ترافقني مكتبتي الصغيرة، المكونة من أربعة كتب أغيرها بتغير البلدان والأشخاص، تكون معي أينما حللت. أحملها معي.
الكتب أصدقاء سفر لا أمل البقاء معها والمكوث معها، أتأدب في حضرتها وألوذ إليها وأتزود بها حد الكتابة.
والكتابة وحدها دون غيرها رفيق السفر ونديم المسافات، هذه التي لا تنفك تلازمني مرورًا بالقلابات وصولًا للمتمة الأثيوبية، حد الوصول “لقندر” الساحرة؛ رغم وعورة طريقها ومشقة السفر غير أن ذلك الجمال أزال ذلك العنت والرهق.
المدن حكايات أخرى يؤوبها غريب الدار واللسان؛ يستجير بها، تجيره وتسقط عنه كهل أحماله، فتبدو له روح أخرى تماثله همًّا وتعبًا! من قال لعثمان حسن في أسفاره الاستوائية إننا سنعبر يومًا ذات الطريق؛ ونتذوق نفس الطعم وذات الرهق؛ لنعبر عبور الزائرين معه؛ كأننا مررنا للمرة الثانية نتلمس ونتقفى أثر أقدامه وبقايا طعام تركه هنا. فشتان ما بين الرحلة والرحلة يا رفيق الحكايات والتسفار ما بين رحالة يجوب بلدان الناس بدافع الشغف ومتطلبات العمل، يزور مكتباتهم، ويطلع على معارفهم وعلومهم. يتعرف على البلدان من خلال ما تزخر به مكتباتهم من علوم. وقوم خرجوا زرافات ووحدانا رغم أنوفهم صوب عوالم مجهولة فرارًا من الموت إلى الحياة ليموتوا بالحياة هنا…!
الساعة الرابعة وأربعة وأربعين دقيقة مساء في أديس أبابا “بمسكل افلاور” ببناية الأمل هذه التي نقطنها. الطقس بارد جدًا، وماما ميري الأبنوسية الجميلة حكاية أخرى خرجت من الخرطوم التي تحبها فرارًا من جحيم الحرب. تخرج صباحًا وترسل سلامها لمن تلتقيهم. تؤانس هذا وتضاحك ذاك بعد أن تنال برها الذي صنعته من أبنائهئا الذين يتقاسمون ويتنافسون على برها والسؤال عنها صباحا؛ فتتأخر في الخروج والكل يترقبها وذلك العطاء الممزوج بحلولها. كأنها تعوض حنوها لأبناء تفرقت بهم فجاج الأرض.
وابنة وحيدة تترقب حضورها عبر أرصفة الانتظار واللحاق بها إلى فرنسا. وغيرها كثر في انتظار الرحيل من مكان إلى أخر؛ يحملون أثقال حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يترقبون دروب الوصول.
غرباء أرصفة وحيارى طرقات، جمعتهم ماما ميري فصنعت منهم أبناء تخاف عليهم من السفر عبر رحلة التفكير الممرضة؛ فيعودون معها أدراجهم ويطلقون ضحكتهم الساخرة؛ فتنزع بقايا غصة عالقة وتقاسمهم ضحكتها تلك وتهمس قائلة: وما الحياة إلا ذكر طيب.
سنية تفرقت بها دروب اللا وصول في غرفة ضيقة في “مسكل افلاور” ببيت واسع وفرش وفير كانت تملكه في الخرطوم تركته خلفها، تفترش فتاتيها أديم الأرض، السرير تقطنه أمها النائمة وبقايا ذكريات لأمجاد وذكريات ولت.
تعاقب ابنتها الصغرى نفسها.. بالامتناع عن الطعام إلا من القليل جدًا والعيش دونه، خارت قواها الصغيرة ولم تحتمل كل ذلك، قتلتها الحرب وسرقت منها تلك الحياة التي كانت تملكها. دفتر رسوماتها، عصافيرها. تلك التي أهداها إياها والدها في إحدى رحلاته في بلاد العم سام. ألوانها الجميلة، الهدوء والأمان الذي تحبه هذه الطيور؛ فوجدت ضالتها معها؛ تتذكرهم بغتة فتهمس لأمها: هل ماتت الطيور يا أمي أم تركوها؟ أتمنى أن تكون قد أحسنت الفرار منهم مثلنا!
هل سيحاسبنا الله وسيدخلنا النار؟! ليتني تلقفتها يومها وفررت بها كما فررت بروحي، هل سيعاقبنا الله لأنني تركتها للموت وحدها؟! في البيت كثيرًا ما ترددت هذا الأسئلة المتكررة على أمها، ومن ثم تلوذ إلى عزلتها تلك.
شتلاتها الثلاثة التي تهتم بها وترويهم ماء الحياة صباحًا.. لينتهي بها مقام الحياة وتصاريفها المؤلمة إلى أرضية غرفة وحيدة باردة. كان كثيرًا على صغيرة ورقيقة مثلها أن تحتمل كل ذلك.. فخرت روحها واستسلم جسدها.
تلاطفها ماما ميري وتضحكها أحيانًا وتنزوي أحيانًا. كثيرًا ما تفر إلى بلاد النوم، لعله يهديها دفئًا وطعامًا يسكن صراخ نفسها المهزومة؛ والأم ترقب كل ذلك، وتدس مقلتيها الدامعتين وأقدام أوهنها المسير؛ فتفر إلى ماما ميري تخفف عنها وتوانسها. فتربت ماما ميري على كتفها وتهمس: لا تخافي عليها سأكون خلفها حد الخروج بها إلى بر الأمان. ستعود الصغيرة يومًا مبهجة ومفرحة وأكثر قوة. اغرورقت مقلتا الأم فرحًا لقولها ولم تقاوم رغبتها ومعانقتها.
حتى الفلسطيني الذي اختار هذه الأرض دون غيرها فرارًا من الظلم والموت، يقول: هذه ديار لا يظلم فيها أحد؛ تناقشه وحكايات الوطن البعيد أيامه والحنين وآمال العودة إلي، ه فكل هؤلاء يترقبون لحظات الوصول وأيام العودة إلى الديار يومًا.
يقينا يسكن روحها التواقة للخير. يتنافس الجميع في الجلوس حولها ومعانقتها أحيانًا بشدة؛ لما تبعثه من شعور جبار بالأمومة المفقودة هنا؛ فلا يستطيعون مقاومة الرغبة والارتماء في حضنها. كأن البناية ومسكل افلاور بلا أديس أبابا بأكملها ماما ميري.. وعندما أشد رحال حقيبتي وأعود بذات الطريق، وإن تعددت طرقات العبور ستكون ماما ميري من أعني وأقصد خلفي.
*كاتبة من السودان