مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

سارة محمد يحيى* في قلب الصحراء العربية كان اسم الحارس أحوس يتردد في كل قبيلة، مح …

حارس الرمال

منذ سنة واحدة

375

0

سارة محمد يحيى*

في قلب الصحراء العربية كان اسم الحارس أحوس يتردد في كل قبيلة، محارب شجاع وقوته وبسالته أسطورية، عُرف بحمايته للضعفاء ووقوفه في وجه الظلم، وكانت هناك عصابة قراصنة الرمال بقيادة بسطام فارس ذوي بأس شديد، يجوبون الصحراء ويهاجمون القوافل وينهبون ثروات القبائل تاركين الخراب والخوف وراءهم.

عندما وصلت الأخبار إلى أحوس عن تحركاتهم باتجاه مضارب قبيلته، جمع رجاله المخلصين وعزم على مواجهتهم في معركة فاصلة، قبل أن يصل خطرهم إلى قلب أرضه، وقف شامخًا على فرسه الأسود وعيناه تلمعان بصرامة وأمامه عدوه يهتف بعنجهية:
– أحوس سمعت الكثير عنك، بلغني أنك تعرف مكان الكنز القديم المدفون في الواحة العجيبة، أخبرني أين يقع تحديدًا وأعدك بألا يطال قبيلتك شري.
تجاهل أحوس تهديد الزعيم واستل سيفه ونظرة حازمة على وجهه، ثم بدأ المعركة بصيحة حرب وتبعه فرسانه فتقافزت السيوف في الرمال الساخنة، وخلال الزحف كان كالصقر يتحرك بخفة وسرعة ويسدد الضربات بدقة متناهية وكل قرصان يسقط أمامه مَثل للظلم الذي لن يُقبل بوجوده، ومع كل انتصار كانت تتراجع قوات بسطام وفي لحظة فارقة أسقطه أحوس تحت سيفه وارتفعت صرخات النصر في الأفق، إنما لن يرضى القرصان العنيد بالهزيمة بسهولة فاستخدم ما تبقى لديه من قوة وركل خصمه في قدمه ووثب بخفة على حصانه وفرَّ هاربًا مع من تبقى من قراصنته وهو يتوعد بالانتقام.
في الليل الهادئ والنجوم تزين السماء كانت قبيلة المناصير تعيش لحظات من السكينة دون أن تعلم بوجود عيون خبيثة تترصد وتخطط للإساءة، إنها عيون بسطام التي تُلاحق جناح ابن أحواس ذي العشر أعوام وهو يلعب بالقرب من خيمته غير مُدرك للخطر الذي يتسلل إليه كالأشباح بين كثبان الرمل، وعلى حين غِرة انقض عليه وأغلق فمه حتى لا يصرخ وحاول شبيه أبيه المقاومة، لكن قبضة العدو كانت عنيفة فأفقدته الوعي ثم حمله على ظهر الجمل وانطلق به إلى الحِصن، عندئذٍ لمحه حارس وصاح يستغيث، لكن الأوان فات، استيقظ أحوس على الضجة فركض خارج خيمته يستعلم عما يجري وسرعان ما لاحظ غياب ابنه الوحيد وتمقط وتجهم.
في اليوم التالي خرج إلى الواحة العجيبة، حيث تتراقص أشجار النخيل والهواء مشبع برائحة الغموض، لمقابلة المخلوق الذي يختبئ بين ظلالها ويصطاد كل من يجرؤ على دخولها، وبعد عِدة خطوات حذِرة ظهر أمامه وهو مُتضخم ذو جلد أبيض وحراشف زرقاء شائكة وعينين زهراوين يزأر ويسأل:
– من يجرؤ على اقتحام واحتي؟ تبغي الكنز يا هذا؟ إذًا عليك أن تهزمني أولًا.
– لستُ هنا من أجل كنزك، بل بيننا عدو مُشترك، إنه زعيم قراصنة الرمال، لقد خطف ابني ويريد كنزك مُقابله.
استشاط الوحش غيظًا قبل أن يسمع المزيد وانقض يهجم عليه، لكنه تفاداه برشاقة وتعاركا بشراسة ثم في غمضة عين أصاب أحوس ذيله وصاح يقول:
– أحتاج عونك لإنقاذ ابني ولن أبرح حتى تُلبي رغبتي.
تجمد المخلوق لبعض الوقت يقرأ قلبه ويستشعر تصميمه، وفجأة أبصر استفحاله فقبل بعقد الصفقة واتفقا على دمج قِواهما لاستئصال الشر من جذوره.
حالما وصلا إلى الحصن دارت معركة عنيفة مع قراصنة الرمال واستعمل فيها أحوس سيفه بحنكة، حيث كل ضربة ترسم آماله في إنقاذ ابنه وكان الوحش يحميه بصداته الجسدية محدثًا الفوضى في صفوف أعدائهما، أخيرًا تواجه مع بسطام، لم تكن المواجهة صراعًا بين فارسيّن وحسب، بل كانت بين الخير والشر، بين الشجاعة والخيانة، تشبه عاصفة صحراوية، وفي تلك الأثناء حرر العملاق الطفل من أسره ثم في حركة خاطفة شلَّ أحوس حركة غريمه بسيفه وفصل رأسه عن جسده فانهار على الرمال مقتولًا وانهارت امبراطورية الشر معه، وهكذا اجتمع الأب والابن في لحظة مؤثرة، بينما يقف الوحش الذي حمى كنزه الثمين أيضًا بجانبهما بشموخ معززين بذلك روح الخير والشجاعة والصداقة والصمود، مستعدين لبداية جديدة.

*كاتبة من السودان

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود