9
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12141
0
9579
0
فراس أحمد شواخ*
أعطت الدراسات النقدية الحديثة النص الموازي عناية خاصة، فظهرت دراسات عدّة تلتفت إلى عناصره، وعدتها عتبات تحيط بالنص الرئيس تفك رموزه وتؤكد فكرته.
وبما أنّ النص الأدبي مكان تقاطع بين مجموعة من النصوص، أو ما يطلق عليه بالتناص بكلّ أنواعه التي حددتها الباحثة البلغارية جوليا كريستيفيا، والتي توصلت إلى أنّه ليس هناك نص موجود من العدم، إنّما كتابة النص ما هي إلا حلقة من حلقات سلسلة الكتابات السابقة، وعليه فإنّ الغلاف الخارجي والعنوان والإهداء والاستهلال والصور، تشكل عتبة من عتبات النص
. موضوع السيرة (بوح الزيتون)
سيرة ذاتية بالضمير المتكلم للكاتب الدّكتور أحمد عرفات الضاوي Ahmad Arafat Aldawi.
الضاوي كاتب فلسطيني صدر له: دراسة في أدب أحمد فارس الشدياق وصورة الغرب فيه. مطابع الدستور. عمان الأردن 1994، مجموعة كهف الأرانب وقصص أخرى للفتيان. رابطة الكتاب الأردنيين. 1994، التراث في شعر الرواد، دبي، مطابع البيان 1998، المسرحية الشعرية أحلام الطفل العربي وزارة الثقافة، عمان، 2003، رواية للفتيان بعنوان خذوني إلى السماء، أمانة عمان الكبرى عام 2003، بوح الزيتون، سيرة وزارة الثقافة، عمان 2019، الرواية المنشورة، الدلال حسن، دار يافا للنشر، عمان، 2018.
بوح الزيتون جاءت بصيغة السرد المباشر، ليخبر المتلقي أنّ البوح في هذه السيرة لمحطات مرت بها الشخصية الصامدة المناضلة الشامخة، مثل شجرة زيتون شامخة في عيون من حوله مع إبراز معاني العزة والصمود والارتباط بالأرض.
وقد قسّم السيرة إلى ثلاث مراحل اختار لكلّ مرحلة عنوانًا رئيسيًا وضمنه عناوين فرعية لمحطات حياته:
– مرحلة الطفولة (على الأعراف): سرد معاناته كيتيم فقد والده في السنة الثانية من عمره، لينتقل للعيش مع أمّه – التي كانت كالحمامة حافظت على صغيرها ودربته على الطيران في ظروف صعبة وقاسية- في بيت خاله الذي لا يتحدث معه إلا نادرًا وكاد أن يضعه في دار الأيتام، كما وثق في هذه المرحلة معاناته في العمل ليجمع قروشًا تعينه على تعليمه الابتدائي، وصوّر معاناة الفلاحين ومعتقدات القرويين في محطات جميلة موظفًا الرمز، فصالحة وأبو القناطر رمز للخرافات التي نجدها في كل المجتمعات القروية، كما نجد أبا ربحي وزريفة الكريمة، رغم ضيق حالها في بيئات القرويين الفلاحين.
– مرحلة التعلم في جنين ( الجذور): وثّق فيها مرحلة تعليمه بعد نيله الشهادة الابتدائية.
وقد أطلق عليها عنوان الجذور كون جذوره من جنين فبيت والده الذي كان يقف أمامه متأملًا كل يوم في جنين، وفي هذه المرحلة سرد ذكرياته في مدينة جنين مصورًا أحياءها وشوارعها، مع ذكر أهم معالم هذه المدينة ممزوجة بمعاناته في سبيل تأمين لقمة يسد بها رمقه وكانت في معظم الأوقات اللبن والبصل.
– – مرحلة الخروج: في هذه المرحلة سرد الكاتب معاناته الداخلية والأليمة التي رافقته طوال حياته فبدأها بانتقاله من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، بعد نجاحه في المرحلة الثانوية، فكان هذا الانتقال مشروطًا من الاحتلال الإسرائيلي بخروج لا عودة بعده إلى الوطن فكان خروجًا أليمًا، كما وثق في هذه المرحلة وقوف صديقه نضال بجانبه وعمله في الإجازة الصيفية ليستطيع إكمال دراسته في الشتاء.
لغة الكاتب سهلة واضحة سلسة بعيدة عن التكلّف تحتوي على ألفاظ من بيئة الفلاحين، لكنه كان يفسر معناها.
العتبات في السيرة:
1- عتبة العنوان:
العنوان هو الاسم الذي يميز كتابًا من بين الكتب، أو مجلدًا من بين المجلدات، وهو عبارة عن كتلة مطبوعة على صفحة العنوان المصاحبة لعتبات أخرى كاسم الكاتب أو دار النشر… ويعدّ من أخطر العتبات التي تشهد القبول والرفض من قبل القرّاء، فإما قبول لقراءة النص، أو إحجام عنه، وهو من أهمّ مكونات النص الموازي لكونه مدخلًا أساسيًا في قراءة الإبداع الأدبي بصفة عامة، والروائي بصفة خاصة.
وقدّم (لوي هويك) تعريفًا للعنوان بأنّه “مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدلّ عليه وتعينه، وتشير لمحتواه الكلي، وليجذب جمهوره المستهدف”، وكان العنوان في العصور السابقة قبل ظهور الطباعة يوضع في لصاقة إما في بداية النص أو نهايته، فكانت المخطوطات لا تحمل صفحة للعنوان، وبعد ظهور الطباعة تموضع العنوان في أربعة أماكن: في صفحة الغلاف الأولى – ظهر الغلاف – صفحة العنوان – الصفحة المزيفة للعنوان وهي الصفحة البيضاء.
وليس من الضروري أن تجتمع هذه الوظائف كلها، أو أن تأتي مرتبة، لكن الوظيفة الأولى ضرورية الوجود في العنوان، وليست العناوين الروائية دائمًا تعبر عن مضامين نصوصها بطريقة مباشرة، بل نجد بعض العناوين غامضة ومبهمة ورمزية بتجريدها الانزياحي، ما يطرح صعوبة في إيجاد صلات دلالية بين العنوان والنص. أمّا اختيار العناوين للروايات فقد مرّ بمراحل متعددة، فقد كانت تبنى على الشخصية الرئيسة فيها عند الروائيين الإنجليز الأوائل مثل (توم جونز)، ثمّ أدرك من أتى بعدهم إمكانية أن توحي بسر ملغز، أو أن تعدّ بنوع معين من البيئة مثل (مرتفعات وذرنج)، أو مقتبسات أدبية رنانة مثل (بعيدًا عن زحمة الجماهير)، أمّا المحدثون فقد مالوا إلى اختيار عناوين رمزية أو استعارية مثل (قلب الظلمات)، في حين أغرم الروائيون الأحدث منهم بالعناوين الغريبة العجائبية الملغزة.
في البدء يمكن القول إنّ العنوان في السيرة (بوح الزيتون)، جملة منمقة ذات سبك، فجاء بين دار النشر واسم الكاتب، وطغى عليه اللون الأحمر وبالخط الغامق الغليظ، كما تكرر في الصفحة الثانية بعد الغلاف فشكل مدخلًا ضروريًا للنص، وأخذ من الخبر وسيلة لبنائه، فجاء على صيغة جملة خبرية (بوح الزيتون)، وإذا ما حللنا مفرداته نجدها من مفردتين:
– بوح: يشير مصطلح “بوح” إلى الإفصاح والكشف عن أسرار دفينة أو مشاعر عميقة. في السياق السيميائي، يدل على وجود قصة أو تجربة تحمل أبعادًا عاطفية أو نفسية تنبع من صميم الواقع.
– الزيتون: الزيتون رمز ثقافي وتاريخي في العالم العربي، وخصوصًا في فلسطين، حيث يرتبط بالسلام، الجذور، والأرض. كما أن شجرة الزيتون تمثل رمزًا للصمود والبقاء، ما يعطي دلالة مباشرة على الارتباط بالهوية الوطنية والتراث.
والجمع بين “بوح” و”الزيتون” في عنوان السيرة يخلق تفاعلًا دلاليًا يجمع بين الكتمان والإفصاح. يمكن أن يُفهم العنوان على أنه محاولة لجعل شجرة الزيتون، كرمز للأرض الفلسطينية، تتحدث عن معاناتها وآمالها، ما يضفي بعدًا شعريًا وإنسانيًا على النص. أو يمكننا القول: الزيتون كرمز للأرض الفلسطينية يمثل السيرة كمنصة لنقل تجربة وطنية وحضارية ترتبط بالمقاومة والبقاء والتمسك في الأرض.
من خلال عنوان “بوح الزيتون”، يتوقع القارئ الدخول إلى عالم مليء بالمعاني الرمزية التي ترتبط بالصراع من أجل الأرض والهوية. فالعنوان يشجع القارئ على البحث عن الأصوات المخفية والرسائل التي بوح بها شجرة الزيتون في سياق سردي يحمل أبعادًا وطنية وإنسانية.
فيمكننا القول العنوان “بوح الزيتون” ليس مجرد اسم للسيرة، بل هو نص قائم بذاته يحمل معاني ودلالات عميقة تدعو القارئ إلى استكشاف رمزية الأرض والهوية في مواجهة التحديات. عبر السيميائية، يصبح العنوان مرآة تعكس محتوى السيرة وتجذب القارئ لفك شيفراته الدلالية.
2- عتبة الغلاف:
لا شيء مهمل أو ملغى في الكتاب، مهما كان جنسه وطبيعته، ويعدّ الغلاف من أهم عتبات النص، فهو يختزل فكرة الكاتب، عن طريق النصوص المصاحبة له؛ كاللون والصورة والمؤلف نكتشف النص، إذ تعد جميعها إشارات وعلامات تحمل الكثير من الدلالات التي تساعد في فهم النص، كما له أهمية في تسويق الكتاب أو الرواية، فإن لم يكن الكتاب أنيقًا في شكله فلا يمكن أن يسوق في زحمة الإصدارات، لذلك نجد كثيرًا من دور النشر تعتمد على فنانيّ أغلفة لكي تسوّق ما تنشره من كتب.
وقراءة أي غلاف يقوم على “مؤول دينامي ننتقل بواسطته من المعاني المباشرة إلى المعاني الإيحائية، وهي الكفيلة بتناسل المعنى وطرحه لمتاهات التأويل، فلا يمكن دخول سبر أغوار دلالات الغلاف إلا باستدعاء هذا المؤول”.
وغلاف سيرة (بوح الزيتون) يتكون من أربع وحدات إشارية تحمل دلالات وإيحاءات، الأولى هي الصورة، والثانية اللون، والثالثة اسم الكاتب، والرابعة العنوان الذي يعدّ وحدة كبرى مستقلة بذاتها، وقد وقفنا عندها.
أ – الصورة: أشكال التواصل تعددت، فلم تعد مقصورة على ما هو لغوي أو لساني، فأخذ التواصل البصري نصيبًا كبيرًا من الدراسة كحاملٍ لرسالة، وما من أحد يشكّ في مكانة الصورة في حياتنا المعاصرة، فهي تحيط بنا من كلّ جانب، فنجدها في البيت والشارع والمدرسة، والصورة تختزل داخلها بعدًا بصريًا يقرب لنا المعنى، كأنّها خطاب يوازي الخطاب اللغوي للصورة لغة كما النص اللساني، وهي تقرأ وتؤول مثله. وقد حدد رولان بارت تأثيرين للصورة، “التأثير الأول يسميهstudium، وهو تقريبًا الانجذاب النفسي السريع نحو الصورة. والثاني يسميه punctum وهو الوخز الذي تقوم به الصورة للمتلقي وتتركه في حالة ذبذبة”.
والمتأمل لعتبة غلاف السيرة، تستوقفه الرسمة الموجودة عليه فهي صورة الأغصان وزهور الزيتون.
والأسئلة التي تتبادر للذهن بعد النظر في رسمة الغلاف: إلامّ ترمز هذه الرسمة؟ وبربط الصورة بالعنوان وبتأويل بسيط لهذه الصورة نجد بأنّ الكاتب قد استوح فكرة سيرته من الصورة لما تحمل من عمق الدلالة والمشاعر، الخلفية الهادئة ذات الألوان الطبيعية (الأبيض والأخضر) تضفي شعورًا بالسكون والبساطة، فزهور الزيتون تعكس الأمل والنقاء، بينما الشجرة نفسها تشير إلى الجذور الراسخة للأرض والتاريخ.
ب– اللون: إنّ اللون يقوم بدور بارز في تحليل النص، فلكل لون دلالة معينة يحاول الفنان من خلالها أن يوصل معنى معينًا إلى القارئ، لهذا وجب ربط اللون بنفسية المرسل، ونفسية المتلقي، ولون الغلاف يمكن ملاحظته في عدة مساحات على الغلاف منها الكتابة والخلفية واللوحة، فاسم المؤلف حمل اللون الأسود، وهو ملك الألوان لامتصاصه جميع الألوان، وفي الثقافة العربية دلالة هذا اللون على الحزن والكآبة، ومحب هذا اللون شخص كتوم ويخفي الأسرار، وجاد في حياته ويحب التعامل مع الأشخاص بكل مصداقية، فاختيار اللون الأسود يمكن أن يعكس الجوانب الشخصية أو السيرة الذاتية المرتبطة بالمؤلف، حيث يضيف لمسة من الجدية، وكأن المؤلف يريد أن يقول: “هذا نص يحمل جزءًا من جوهري”، وهو اختيار متعمد ليبرز اسم المؤلف كركيزة أساسية دون أن يطغى على العنوان أو العناصر البصرية الأخرى في الغلاف.
كما جاء العنوان باللون الأحمر، وهذا لون يرتبط بالعاطفة القوية، الحب، والحيوية، استخدامه في كتابة العنوان “بوح الزيتون” يوحي بشحنة عاطفية كبيرة، تعكس عمق المشاعر والتجربة التي يحملها النص، كما أن اللون الأحمر ملفت للنظر، ما يجعل العنوان بارزًا على الغلاف يهدف إلى جذب انتباه القارئ من الوهلة الأولى وإثارة فضوله لمعرفة ما وراء هذا “البوح” ليس مجرد حديث هادئ، بل هو صرخة أو رسالة قوية تحمل في طياتها معانٍ عميقة.
أما بقية اللوحة فهي باللون الأبيض الباهت وهو لون السلام والمثابرة، ويشير إلى مساحات للتأمل والإفصاح، بما يتناسب مع مفهوم “البوح”. والخلفية الخضراء المحيطة بأزهار الزيتون ترمز إلى الحياة، النمو، والأمل. اللون الأخضر يرسخ ارتباط الكاتب بأرضه وبشجرة الزيتون التي تمثل رمزًا للصمود والاستمرارية.
تناسق الأبيض والأخضر شكلا تباينًا هادئًا ومتكاملًا مع اللون الأحمر في العنوان، ما يخلق توازنًا بصريًا بين الحيوية والعاطفة من جهة، والسلام والتمسك بالأرض من جهة أخرى.
فالألوان في الغلاف أثرت بصريًا على التلقي الأول للرواية وعملت على تحديد معالم الدلالة التي يمكن أن يستقبلها المتلقي في الرواية.
ج – اسم الكاتب: يُعدّ عتبة مهمة ضمن منظومة النصوص الأدبية، حيث يرتبط اسمه بهويته الأدبية والثقافية، ما يجعله أداة للتأثير في إدراك القارئ للنص، فاسم الكاتب لا يمثل فقط توقيعًا على العمل، بل يحمل دلالات عميقة تتصل بإنتاجه الفكري وخصوصيته الإبداعية، فالاسم لا يُقرأ بمعزل عن سيرته الذاتية وإنتاجه الثقافي، فهو من أهم عتبات النص التي لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، لأنه “العلامة الفارقة بين كاتب وآخر وفيه تثبت هوية الكتاب لصاحبه ويحقق ملكيته الأدبية والفكرية على عمله دون النظر للاسم إن كان حقيقيًا أو مستعارًا”، ولما كان لاسم المؤلف أهمية، شدّ انتباهنا – في الغلاف – فإنّ تموضع اسم المؤلف، الذي يتوسط الغلاف، يوحي بأنّ الكاتب يشير إلى بوحه ما في داخله ويعزز من فكرة ارتباط العمل بالجانب الإنساني العميق للكاتب. كما أن تموضع الاسم يوحي بالعمق والتأصيل، ما ينسجم مع شجرة الزيتون كرمز للجذور والتاريخ والاستمرارية. كما أنّ اسم الكاتب “أحمد عرفات الضاوي” يحمل أبعادًا فكرية وثقافية متعددة:
– لقب “دكتور”: يشير إلى المكانة العلمية التي يحملها الكاتب، ما يعكس التزامه بالبحث والمعرفة. كما أنّ هذا اللقب يعطي القارئ انطباعًا بأن النصوص تمتلك بعدًا فكريًا ونقديًا عميقًا.
– اسم “أحمد”: اسم عربي شائع يحمل دلالات دينية وأخلاقية إيجابية، مثل الحمد والشكر، ما يضفي على الكاتب طابعًا متواضعًا وإنسانيًا.
– “عرفات”: يوحي بالعلم والمعرفة، وهو مرتبط بمكانة ثقافية وروحية، ما يعزز شعور القارئ بأن الكاتب يحمل رسالة ذات قيمة.
– “الضاوي”: يوحي بالوضوح والنقاء، مما قد ينسجم مع توجه الكاتب الأدبي في التعبير عن القيم.
فاسم الكاتب “د. أحمد عرفات الضاوي” ليس مجرد توقيع على العمل الأدبي، بل يمثل جسرًا يربط القارئ بالهوية الثقافية والفكرية للكاتب.