1732
0
528
0
741
0
361
0
413
0
8
0
13
0
72
0
110
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13508
0
13353
0
12189
0
12130
0
9552
0

أحمد حنفي*
بينما كانَ على مرمى ابتسامتِها يلتهمُ الطريقَ في محاولةِ العبورِ تجاهَ جدارِ الشرفةِ، إذا بنظرتِها تتفتّر وترخي سدولَها. ذراعُها العاجيّة تمتدُّ بحنوِّها البالغ، تغلقُ شبَّاكَها الزجاجيَّ إلا قليلًا. يرى ظلَّها الناصعَ يرقبُهُ من خلفِ فُرجةٍ تركَتها، يتسلَّلُ منها هواءٌ يداعبُ أنفاسَها.
يتخلّلها، يخفقُ قلبهُ بشدةٍ، فتولِّي وتذرُ خلفها جارًا يتلوَّى لهفةً ويُراقُ أمامَ شرفتِها، خاشعًا من فرطِ احتشائه.
هكذا اعتادَ تيهًا صباحيًّا بطلَّتِها الآسرةِ، وبانسحابِها الهادئ.. وكأنَّ ذراعَها العاجيّة رقيبٌ يستبدُّ ليقطعَ المشهدَ قبل اكتمالِه.
ذلك التيهُ الصباحيُّ لذيذٌ غير مُسكِر، إلا أنَّه ما يلبثُ حتى يتحوَّلَ لسكون.
أمسكَ إزميلًا ومطرقةً، اتَّجهَ لعمودٍ من رخامٍ أبيضَ، يتوسَّطُ غرفتَهُ المُطلَّةَ على شرفتِها. راحَ يزاوله ذات اليمينِ وذات اليسارِ، حتى علمَ من أين يبدأ.. بطرقاتٍ حريصة أخذَ الرخامُ يتشكَّلُ على هيئةِ ذراع قاعدتها لأسفل، حتى استوى نسخة دقيقة من ذراعِ جارتِهِ.. تلك الذراعُ التي حلمَ كثيرًا أن يحتضنَها.
صار من عاداتِهِ الصباحيَّةِ أن ينحني ليقبِّلَ ظهر يدها برقَّةٍ، يجلوَها من الأتربةِ وعيون المتلصِّصين.
ثمَّ بدا له أن يُكسبَها لمسة جمالية؛ فطلاء الأظافر الأحمر الفاقع، لا بدّ أن يبدو أنيقًا بجوارِ الأبيض الرخامي. كما ابتاعَ عطرًا فرنسيًا، ضمَّخَها به قبلَ أن تُعلنَ الشمسُ انسحابَها من الأزرقِ العريضِ.
وعلى ضوءِ الشموعِ، اعتادا سماع الموسيقى الكلاسيكيةِ الهادئةِ. أحبَّ كثيرًا موسيقى “الدانوب الأزرق”، بينما كانت ذراعها تُفضِّلُ الرقصَ على موسيقى أغنية “أنا قلبي دليلي” للقصبجي.. راقَهُ ذلك ولم يختلفا فيه.
أشعلَ سيجارةً، وضعها بين أصابعها حينما أحسَّ بالألفةِ بين دخان سيجارتِهِ، ومسام الرخامِ الصلدة. كان الدخانُ يتسلَّقُها حين ينفثه، ينزلقُ لأعلى ويلفُّ حولها في دوراتٍ حلزونيَّةٍ. وقبلَ أن يَحرقَ التبغُ المشتعلُ أناملها، يطفئُ سيجارتَها ويطلبها للرَّقصِ.
ساعاتُ الليلِ الأخيرةِ يقضيانها في كدرٍ مُطبق، حين يضعُ كفَّها المُتصلِّبَ على كتفِهِ ليراقصَه. تفجعُهُ قسوتُه، يقسمُهُ جفاؤه، يهزمُهُ ثقلُه..
تلك الذراع الرخاميّة التي تاهَ فيها تقبيلًا وضمًّا، تزيينًا وتعطيرًا، مداعبةً.. لا يستطيعُ أن يُضمَّها. يُضمرُ جحودًا يخبرُهُ بأنها ليست سوى نصبٍ تذكاريّ، لا يصلحُ إلا للبكاء. ووضع إكليلٍ من الزهورِ أسفل منها، يُـكسبُها جلالًا لا يليقُ بعاشقٍ.
في أحد الصباحاتِ المتكرِّرةِ، بينما كانَ على مرمى ابتسامتِها، يهفو نسيمُ رائحةِ حنَّاءٍ حينما امتدَّت ذراعُها العاجيّة لِتُغلقَ شبَّاكَها، لكنَّها لم تقف لترقبَهُ كما اعتادت…
تذكَّرَ أن الليلةَ السابقةَ تعالت أصواتُ الدفوفِ، فرقعاتُ ضحكاتٍ حادةٍ، زغاريدُ وأغانٍ بصوتِ نساءٍ نوبيَّاتٍ من شرفتِها، مُشبعة بأضواءٍ ملوَّنة أزعجتهُ كثيرًا، وهو يراقِصُ الذراع الرُّخاميَّة. بينما كانَ يجلوها كعادتهِ، لفتهُ وجود حلقةٍ معدنيةٍ لامعةٍ في بنصرِها، لم يضعها فيه.
دمعتانِ باردتانِ انحدرتا من مقلتيهِ…
بعدَ ساعةٍ استلمَ زهورًا صفراءَ تحلَّقت ببراعة، وضعَها أسفل النصبِ التذكاريِّ لذراعٍ لا تُجيد الاحتضان!
*كاتب من مصر