مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عادل النعمي* لم يكن فيه شيءٌ يُذكَر إلا ذاكرةٌ تحب المبالغة، ووجهٌ لو وُضع بين م …

الحلم المأسور

منذ 6 أشهر

274

1

عادل النعمي*

لم يكن فيه شيءٌ يُذكَر إلا ذاكرةٌ تحب المبالغة، ووجهٌ لو وُضع بين ملامح العامة لما التبس على أحد أنه موظف صغير لا يعرف من العالم إلا صوت المنبّه ورائحة الشاي البائت، كان في منتصف الأربعين، نصفُ عمره قضاه يطارد أحلامًا لا تأتي، والنصف الآخر يندم على أنه طاردها حين جاءت.

ثم بدأت المصيبة: صار يحلم بأشياء تتحقق، نعم، بالضبط كما في أفلام الدرجة الثالثة، يستيقظ من النوم ليجد حلمه واقفًا أمامه بكامل وقاحته، يلوّح له مثل منديل طُليقة في محكمة نفقة، الأحلام تتجسد، تقف، تتنفس، تضحك، تبصق أحيانًا، ثم تتبخر كأن أحدًا نفخ فيها من نرجيلة فارغة.

وحين راجع الأطباء، أهدوه وصفة تشبه ورقة الطلاق بينه وبين الواقع: “هذه مهدئات… وخفف التفكير”. لكنه لم يكن يُفكر… هو فقط كان يحلم، وهل يحاسب النائمُ على أحلامه؟ لكن ما لم يفهمه أحد، أن الحلم عنده لم يكن نزهة في الحقول، بل ساحة تجارب يبدّل فيها النساء كما تُبدّل الجوارب، ويعدّل في قدره كما يُعدّل طالب مشاغب على ورقة امتحانه في آخر اللحظات.

هو يقوم بالتالي: عندما يستيقظ كل صباح، يجد أن حلمه قد توقف أمامه، في كل مرة يستطيع أن يخلق حلمًا جديدًا، ويغير في تفاصيله كما يشاء فهو يخلق قصة جديدة ويرى كيف مراحلها وصولًا في إلى النهاية. 

في اليوم الأول:

قرر أن يُطلّق زوجته الأولى، الجميلة التي كانت تحب المرآة أكثر من طفلها، وتعتبر كل كاميرا صديقةً حميمة، حتى أصيب طفلها بطيف التوحّد، قرر أن يهدي نفسه زوجة خمسينية رزينة تشبه غلاية شاي قديمة: دافئة لكن تطلق صفيرًا إذا اشتد الغلي، أعاد الدراسة، وعلّق شهادته في صدر المجلس كما تُعلّق الجدة شهادة تطعيم حفيدها، ثم رُقي في العمل إلى درجة أنه صار يركب المصعد من الطابق الأرضي إلى الطابق الأخير.

لكن بعد سنوات، وجد نفسه يعيش مع زوجة تعامل جسده كأنها تُربّي طفلًا متأخرًا ذهنيًا: تأكله، تكسوه، تمشطه، وتُعنّفه إذا أخطأ في جدول المواعيد، وكلما حاول الزواج عليها، ذكّرته أنها صاحبة الدين، وكل فلس أنفقته عليه مُدوّن على قصاصات البنك، وموثّق في بند “سلفة مشروطة بعدم الخيانة”، تلعثم، وتذكر أنه خرج من بيت أمه إلى حضن خمسينية، لم يكن زواجًا، كان تنقّلًا من حضن لآخر.

في اليوم الثاني:

أعاد تشغيل اللعبة.. طلق الأولى وتزوج ثلاثينية تشبه أكواب القهوة: متواضعة من الخارج، ومُرّة من الداخل، لكنها تُوقظه من خدر الحياة، أنجبت له، وساندته، وأقنعته أن الحياة تبدأ بعد الشهادة، فحصل على الشهادة، ثم اكتشف أن الحياة تبدأ بعد الطلاق.

خلعته في المحكمة مثل قميص داخلي قديم، وقاسَت نفقتها بالقلم الجاف لا الرصاص، وجعلت نصف راتبه لها، والنصف الآخر لحذاء طفلها الجديد، وتزوجت رجلًا يعمل في شركة دولية، بينما هو يعمل في طباعة مذكرات الطلاق، فهو كان يستحقرها دومًا لأنها غير جميلة وكذلك قصيرة، وعندما تمكنت نكثت عهدها.

اليوم الثالث:

قرّر ألا يتزوج، ظنّ أن العزلة دواء، فكانت مرضًا مزمنًا، شيّخته الوحدة أسرع من الزمان، صار يمشي في البيت كأنه خيال مآتة فقد وظيفته في الحقل، طفله المصاب بطيف التوحد تخلت عنه أمه وأصبح معه لم يعد يبكي، بل ظل ساكنًا كتمثال، لا أحد يقرأ روحه، ولا هو يفهم، بقي وحيدًا، لا امرأة تصرخ، ولا طفل يضحك، فقط جدران تشبه مقابر لها أغطية.

اليوم الرابع:

استفاق من النوم وهو يحاول تغيير القواعد، لكنّ “نفسه” ظهرت له في الحلم، ليست بهيئة روح لطيفة، بل كشيطان يرتدي بدلته، ويفرك أنفه بشماتة، أخرجت له لسانها، ثم صفعه بباطن كفّ مغمّس بالسخرية، شعر أنه نملة واقفة أمام مرآة مقعّرة، تهامس المارة في الحلم أن الرجل مغرور، يتعامل مع الحظ كأنه موظف استقبال في شركة فاشلة.

لكنه ترك حلمه وفعلها... فعلها حقًا في الواقع! طلق زوجته وهو يحتسي الشاي، ثم نظر إلى المرآة وقال: “ليكن ما يكن”.

كان يعتقد أن هذه الجملة مثل “كن فيكون”… لكنها في الواقع كانت مثل رمية نرد، وأن حياته مجرد إحدى تفاصيل ذلك الحلم.

*كاتب من السعودية 

التعليقات

  1. يقول منى:

    سرد الاحداث وتسلسلها وعمق المعنى يصل لذهن القاريء وكأنه يشاهد فلماً واضح الأركان من البطل إلى الإخراج احسنت كالعادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود