مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد عكفي* تتصاعد رائحة القهوة من فنجان سيدة أنيقة، تجلس على طاولة مستديرة، ترتش …

ورقة منديل

منذ 4 أشهر

169

0

محمد عكفي*

تتصاعد رائحة القهوة من فنجان سيدة أنيقة، تجلس على طاولة مستديرة، ترتشف قهوتها التي تبث شيئًا من الدفء في عروقها.
في الحقيقة يكاد ذلك الفنجان من أروع ما يكمل جمال يومها، الذي بدأت تتحدث عنه لمتابعيها:

مدهش اكتشاف الأشياء الكامنة بأعماقنا من خلال فن الرسم.
أحببت اللون الأحمر والبني والأخضر…
كان اللون الأبيض يرتعش من البرودة خلف باب المقهى قبل أن يقرر الدخول على هيئة طفل بيده علبة مناديل قاصدًا طاولة السيدة.
هز صوته مسامعها كما تهز المدافع قرية هادئة
مناديل للبيع… مناديل للبيع. 
استدارت في وجل، وحالما شاهدته تلاشت مخاوفها… 
وسألته بغريزة الأمومة: 
أين أمك؟
ناقَلَ قدميه بسرعة مقتربًا من السيدة قافزًا على سؤالها بسؤال:
تشترين مناديل؟
بدأ أن ذاكرة الطفل تحاول التجاوز على استحضار بعض الوقائع، غير أن بعض الأحداث تتشبث بالإنسان، ترتديه.. تغسل وجهه.. تسكنه.. ترافقه.. تلازمه حتى الموت.
أجابت السيدة: عندي مناديل كثيرة، وأضافت بنغمة حانية: 
اسمع سأطلب لك عشاء؟
لا لا اشتر مني المناديل؟
صدفةً لمح وجهه في عدسة البث، ابتهج رافعًا المناديل… 
مناديل للبيع.. مناديل للبيع… 
ابتسمت واضعةً يدها على شاشة الهاتف ملاطفةً إياه: عندي مناديل كثيرة… 
لاحظ نادل المقهى الطفل وصاح عليه: 
اخرج، أزعجت الزبائن، اخرج قبل أن أستدعي لك الشرطة… 
في خفة ومن بين الطاولات تسلل إلى خارج المقهى.
اعتذر النادل للسيدة التي انهالت عليها تعليقات المتابعين… 
التعليق الأول:
هذا الطفل المجهول خلفه عصابة شريرة.
التعليق الثاني:
الظاهرة منتشرة لا بد من القضاء عليها.
التعليق الثالث:
يتوجب علينا التعاون وتنظيف البلد من هذه العينات.
التعليق الرابع:
رأيت في عينيه قطرات مطر تكفي لإغراق مدينة كاملة.
أقفلت السيدة البث وغادرت المقهى… 
صعدت إلى سيارتها، فتحت علبة مناديل مغلقة.
دقائق، ربع ساعة على الأغلب هو الزمن من المقهى إلى البيت.
تململ شعور بداخلها بعد إيقاف سيارتها أمام المنزل… 
يا ترى كم ساعة قضيتها في الطريق الليلة؟
أخذت نفسًا عميقًا وهي تسحب آخر ورقة من علبة المناديل، ومضت إلى أبنائها.

*كاتب من السعودية 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود