الأكثر مشاهدة

بقلم: الحسن الكامح* قصيدة “امرأة القصيد” للشاعرة آمنة ارسايم ليست مج …

قصيدة “امرأة القصيد” للشاعرة آمنة ارسايم.. أنوثة الشعر وتجليات البيان

منذ 6 أشهر

287

2

بقلم: الحسن الكامح*

قصيدة “امرأة القصيد” للشاعرة آمنة ارسايم ليست مجرد نصٍ شعري، بل هي رحلةٌ عميقةٌ في وعي الشاعرة بذاتها وبفعل الإبداع. تنسج القصيدة نسيجًا فنيًا بديعًا يجمع بين متانة الشكل الشعري التقليدي، وعمق الخطاب الذي يتجاوز الوصف إلى التجسيد، وثراء البلاغة التي تُحوّل المعاني المجردة إلى صورٍ حيةٍ نابضة. هي صرخةُ روحٍ تتوجُ ذاتها بتاجِ الحرف، مُعلنةً مكانة المرأة الشاعرة كأميرةٍ لعرش البيان.

 أولًا: تجليات الأنثى في الإبداع الشعري (التحليل الدلالي)

تُقدم القصيدة الأنثى ككائنٍ متجذرٍ في قلب الإبداع، متجاوزةً مجرد كونها “امرأة تكتب الشعر” لتُصبح هي الشعر ذاته المتجسد. هذا التشخيص يجعل القصيدة كائنًا حيًا ينبض ويتنفس عبر شخصية الشاعرة، فتتلاشى الحدود بين الذات المبدعة وإبداعها.

  • الأنثى كوعاء للإلهام: “في عَتمةِ النّورِ أُنثًى ترشُف المْطرا”. هذا التناقض الجميل بين “العتمة” و”النور” يُشير إلى لحظات الإلهام الغامضة التي تأتي في أوقات غير متوقعة، حيث يمتزج العمق بالتأمل بالوضوح والبصيرة. “ترشف المطر” ليست مجرد شربٍ للماء، بل هي امتصاصٌ للوحي والعطاء الإلهي، فالمطر هنا رمزٌ للخصوبة والنقاء والتجدد.
  • الحرف كائنٌ حي وغايةٌ سماوية: “تخلو بحرفٍ قضتْ منه السّما وطرا”. هذا التفرغ التام للحرف يُظهره ككائنٍ مقدسٍ، وكأن وجوده ضرورةٌ كونيةٌ أو غايةٌ ساميةٌ تسعى إليها الروح الشاعرة. فالشاعرة تُضفي على الحرف شخصيةً مستقلةً واعيةً، فهو ليس مجرد أداةٍ، بل هو كائنٌ يتفاعل ويُقاوم ويُخفي أسرارًا.
  • التناص القرآني: في “سِرّا تُراوِدُه عن نفسِه فَأَبى / قدَّ القميصِ الّذي يُخفي به الدُّررا”، يتجلّى التناص الواضح مع سورة يوسف. فعبارة “قدَّ القميص” تُحيل مباشرةً إلى قصة امرأة العزيز ومراودتها ليوسف، حيث قُدّ قميصُه من دُبر. في القصيدة، يُصبح الحرف هو “يوسف” الذي يُراوَد عن سرّه، ويُقدّ قميصُه ليكشف عن “درره” الكامنة. هذا التناص يُضفي على الحرف هالةً من الجمال العصي والقداسة، ويُعلي من قيمة المعنى الذي يُكتشف بصعوبة، ما يرفع من قيمة الإبداع الشعري.
  • الشاعرة حارسة الشعر ورافعة رايته: تُصوّر القصيدة الشاعرة كحاميةٍ للشعر من كل ما قد يفسده أو يُقلل من شأنه. فـ”في حيطة غلّقتْ أبوابَ دهْشتِها/ تخْشى على الحرفِ حُمّى تُرْبِك الشُّعَرا”. الحمى هنا استعارةٌ قويةٌ لكل ما قد يُفسد الشعر أو يُفقده جوهره، مثل التقليد الأعمى والسطحية. الشاعرة هي الوصي على نقاء الشعر.

أُنثًى رمتْ شِعرها في جبّ مطلعِه / وما عداه كلامٌ خرَّ مُنشطِرا”: هذه الصورة الجريئة تُشير إلى أصالة الشاعرة وتفردها، وكسرها للأنماط المألوفة، وتهاوي الأشكال الأخرى أمام قوة شعرها وصدقه.

  • القوة المتأتية من العمق والغموض: الشاعرة لا تخشى الغموض أو التعقيد في شعرها، بل تراه مصدر قوة: “فلا تخافُ على المعْنى غَيابَتَهُ / ولا تُعاتِبُه إن ظلّ مُستتِرا”. هذه الثقة في أن المعنى العميق لا يحتاج إلى وضوح مباشر تُضفي على الشاعرة هيبةً وسلطةً.
  • الشاعرة أيقونة جمال وإلهام: الجمال في القصيدة يتجاوز الشكل الظاهري ليرتبط جوهريًا بالإبداع الشعري. “حتّى إذا قطّعت أيدِي قصائِدها / أكْبرنَها بعدما ألفيْنها قمرا”. هذه الصورة المستوحاة من قصة يوسف تُعطي الشاعرة هالةً من الجمال الساحر الذي يُدهش حتى إبداعها. كما أن ربط جمالها بـ”عبقٍ قدْ فاحَ من زهرةِ الْحرف الّذي سُطِرا” يجعلها تجسيدًا حيًا للجمال الشعري.
  • الشعر كمهرب ورفيق صوفي: الشعر ليس مجرد هواية، بل هو رفيق الروح وملاذها في الأوقات الصعبة. “تبكي وتجزمُ أنّ الشّعر مَهْرَبُها / منِ انْتكاسة حلمٍ طال مُنتظرا”. هذا يكشف عن ضعفٍ إنسانيٍ عميقٍ، حيث يُصبح الشعر ملجأً من خيبات الأمل. والعلاقة العاطفية القوية مع الحرف تبلغ ذروتها في الاستسلام المتبادل: “تبكي فيستسْلِمُ الحرفُ الّذي شُغِفتْ / بحُبّه، حسْبُها أنّ الحبيبَ درى”.
  • الاستقلالية الشعرية والسمو عن العشق البشري: تُختتم القصيدة بتأكيد فرادة الشاعرة وعشقها المطلق للشعر، ما يجعلها تتسامى عن العواطف البشرية الدنيوية: “الْعاشقون على أبوابِها وقفوا / لكنّها عن هواهم غضّتِ الْبصرا”. هذا يمثل تضحية الشاعرة بالعلاقات التقليدية من أجل تفانيها التام للشعر. وتُختتم القصيدة بـ”أبهى القصائدِ من جبّ الهيامِ نجتْ / كي تسكنَ امرأةً تستنطِقُ الحجرا”، ما يُبرز قدرتها الفائقة على إحياء الجماد وإضفاء الروح على الصامت من خلال شعرها.

ثانيًا: جماليات البلاغة في “امرأة القصيد

القصيدة غنيةٌ جدًا بالصُّوَر البلاغية التي تُعزز من جمالها وعمق دلالاتها وتأثيرها.

  • الاستعارات: هي السمة الأبرز، تُضفي حيويةً وتجسيدًا على المعاني المجردة. من أبرزها “أُنثًى ترشُف المْطرا” (للتلقي والإلهام)، “الحرف قضتْ منه السّما وطرا” (للمكانة العالية)، “قدَّ القميصِ الّذي يُخفي به الدُّررا” (للكشف عن الجمال الخفي)، “تخْشى على الحرفِ حُمّى تُرْبِك الشُّعَرا” (لعوامل التشويه)، و”أُنثًى رمتْ شِعرها في جبّ مطلعِه” (للغوص في عمق الإبداع). كما تُجسّد القصائد كـ”كحلٍ” و”حُمرةٍ” لجمال الشاعرة.
  • التشبيهات: تُضفي بعدًا بصريًا، كتشبيه “الصواع” بـ”الظلّ” في ملازمته، و”يذوب سِحرا كعينيْها إذا انهمرا”، وتشبيه الشاعرة بـ”القمر” في بهائها.
  • الكنايات: تُعطي النص عمقًا وتُضيف له أبعادًا رمزية، مثل “قطّعت أيدِي قصائِدها” (شدة الإعجاب)، و”سيدها بالباب مُنبهِرا” (عظمة الشاعرة)، و”تخيطُ فُستانَها من نخوةِ الأُمَرا” (عظمة وسمو القصيدة).
  • الطباق: يُعطي النص بعدًا فلسفيًا، مثل “عتمة النور” و”إن غاب أو حضرا”، ما يُبرز التناقضات في التجربة الإنسانية والإبداعية.
  • الجناس والتكرار: تُساهم في خلق جرس موسيقي وتماسك، كتكرار لفظة “أنثى” وتناغم حروف معينة.
  • التجسيد: يمنح القصيدة حيويةً وإحساسًا بالواقعية، حيث تُجسد الشاعرة الحرف والقصائد والهوى ككائناتٍ تتفاعل وتُدرك وتُخضع.

ثالثًا: الشكل والخطاب في بناء “امرأة القصيد

الشكل الذي بُنيت عليه القصيدة والخطاب الذي توجّهه، هما عنصران متكاملان يُعززان من رؤية الشاعرة وتأثير النص.

  • الشكل كوعاء للأصالة: القصيدة تتبع الشكل التقليدي للشعر العربي، بالالتزام بالوزن والقافية الموحدة. هذا الالتزام يُظهر تمكّن الشاعرة من اللغة، وقدرتها على صياغة المعاني العميقة ضمن إطارٍ كلاسيكي. كثافة الصور الشعرية والمجازات المتتالية تُثري هذا الشكل، وتجعل القصيدة نسيجًا بصريًا وذهنيًا كثيفًا.
  • الخطاب المتعدد الأبعاد: يتعدّد الخطاب في القصيدة ليُعبر عن رؤية الشاعرة المتكاملة:
  1. الخطاب الذاتي المتخفي: على الرغم من صيغة الغائب، فإن الوصف لـ”أنثى” هو في جوهره خطابٌ ذاتيٌ يعكس رؤية الشاعرة لنفسها ككيانٍ مُتحدٍ بالشعر، وتأملها في تجربتها الإبداعية الداخلية.
  2. الخطاب التمجيّدي: القصيدة كلها خطابٌ تمجيديٌ للشعر والشاعرة، احتفاءٌ بقدرة المرأة على الإبداع والتميز، ورفعٌ من شأن الشعر نفسه كقوةٍ قادرةٍ على التغيير والشفاء والسمو.
  3. الخطاب التحدّي والمغاير: تُقدّم القصيدة خطابًا يُكسر بعض الصور النمطية، فبكاء الأنثى يُصبح قوةً، ورفضها للعشاق يعكس تفانيها الأسمى للشعر. تُرسل القصيدة خطابًا ضمنيًا بأن الإبداع الحقيقي يتطلب عمقًا وجرأة وحمايةً للشعر من الابتذال.

 ختامًا:

امرأة القصيد” لآمنة ارسايم هي تحفةٌ شعريةٌ تُجسّد العلاقة الوجودية بين الأنثى والإبداع. هي ليست مجرد وصفٍ للشاعرة، بل هي نصٌ ميتا-شعريٌ يُعلي من شأن الحرف، ويُظهر العلاقة الحميمة والعميقة بين الشاعرة وإبداعها. عبر شكلها التقليدي وخطابها المتعدد البلاغي الغني، تُؤكد القصيدة على دور الشعر كملجأٍ، وسلاحٍ، ومصدرٍ للجمال، وقوةٍ تُحيي بها الروح، لتجعل من “امرأة القصيد” رمزًا لأنوثةٍ مُبدعةٍ تتجاوز الحدود وتستنطقُ الحجر.

*كاتب مغربي

التعليقات

  1. يقول فتاحي ابراهيم:

    السلام عليكم ورحمة الله
    في البدء اتخذت الشاعرة النص الشعري وعاء لخلجات نفسها واجابة لكل من تسول له نفسه
    أن يتساءل في سيرتها الذاتية عن مكنونات
    نفسها ومايختلجها وما يشغلها وقد اجابت برمزية
    وايحلء عميق عن كل ذلك في انغماسها اللامشروط ببناء تعابير تطير بها القصيدة الى عوالم الابداع والسمو اللغوي الملتهب وتسدالباب من جديد على كل من تسول له نفسه ان يقترب منها ليقتحم هدوءعا وسكونها النفسي والشعري
    لكن لابدللمرء ان يقحم شيئا جديدا في حياته
    لعله يفتح امامه معالم اخرى من الابداع يستلهمها
    من نوع الحياة المشتركة مع الطرف الاخر

  2. يقول ابراهيم:

    رغم مايعلق به القارئ والمتتبع لكل منتوج فكري
    تبقى الشاعرةسيدة قصيدتها الشعريةتحملهاماتريدمن
    احاسيس وتعابير بلاغية وبيانيةوبذلك تبقى الشاعرة
    متفوقةومجيدةفي انتاجهاوابداعها ممايبرز قدرتهاعلى التعبيرالرقيق والالقاء الجميل والمميز
    نتمنى للشاعرة دوام التألق في عالم الاشعار وبمزيد من العطاء والابداع
    والحمدلله رب العالمين

اترك رداً على فتاحي ابراهيم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود