201
0
630
0
1638
0
413
0
553
0
6
0
11
0
28
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13531
0
13376
0
12212
0
12137
0
9567
0

حصة بنت عبد العزيز*
تُعدّ قصص الطفولة الأولى إحدى أهم البدايات التي يتلقّاها الطفل وهو يفتح وعيه على العالم. فحين تتردّد الحكاية على مسامعه، لا يلتقط الكلمات وحدها، بل يلتقط الإيقاع، ودفء الصوت، والأمان الذي ينساب بين السطور. وفي هذا العمر المبكر، يصبح السؤال ملحًّا: هل الحكاية هي التي تشكّل الطفل، أم أن الطفل هو الذي يعيد تشكيل الحكاية؟
الحكاية.. ذاكرة مبكرة للمشاعر
لا تُقرأ القصص الأولى بوصفها نصوصًا فحسب، بل بوصفها لحظات تتكوّن منها ذاكرة الطفل العاطفية. فهي ترتبط بطقوس النوم، وبجلسة العائلة، وبالدهشة الأولى أمام صورة ملوّنة أو جملة محمولة على خيال بسيط. في هذه اللحظات، يتعلّم الطفل أكثر من اللغة والحروف: يتعلّم كيف يرى العالم، وكيف يحلم به بطريقة أكثر رحابة مما يقدّمه الواقع.
إن الحكاية الأولى تُنمّي لدى الطفل مفهوم «الاحتمال»؛ احتمال أن تكون الأشياء قابلة للتغيير، وأن خلف الظلمة ضوءًا ما، وخلف الخوف بطولة صغيرة تنتظر من يكتشفها.
الطفل.. صانع المعنى الأول
على الرغم من أن الكاتب يقدّم نصًا مكتملًا في شكله، فإن الطفل لا يتلقّى القصة كما دوّنها المؤلّف، بل كما يسمح بها خياله واحتياجه النفسي.
فالطفل قد يغيّر نهاية القصة، أو يمنح بطولة الحدث لشخصية هامشية، أو يحمّل مشهدًا بسيطًا دلالة كبيرة لا يراها الكبار. هنا يظهر الدور الحقيقي للقارئ الطفل الذي يشكّل الحكاية بقدر ما تشكّله.
كثير من كتّاب أدب الطفل يعترفون بأن الطفل هو «المحرر الحقيقي» للنص، وأن تعليقات الأطفال وأسئلتهم هي التي تُعيد توجيه الكتابة وتفتح مسارات جديدة للحكاية.
بين الكاتب والقارئ.. علاقة تكوين متبادل
الكتابة للطفل ليست تمرينًا تربويًا فقط، بل هي فنّ يحتاج إلى حساسية خاصة. فكاتب أدب الطفل يوازن دائمًا بين الجمالية والبساطة، وبين المتعة والمعرفة، وبين الرسالة وحرية الاكتشاف. غير أن الطفل، في المقابل، يمنح النص حياة أخرى.
فبدون قارئ صغير يندهش ويعيد بناء الحكاية على طريقته، لا تكتمل وظيفة النص، ولا يتحقق دور القصة في تشكيل وعي الطفل وثقافته.
إن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة أحادية الاتجاه؛ فالطفل ليس متلقيًا سلبيًا، والكاتب ليس مُلقّنًا.. إنهما طرفان في عملية تشكيل مستمرة، يساهم كل منهما في صياغة الآخر.
الخيال.. المساحة المشتركة
يلتقي الطفل والكاتب والقصة في مكان واحد: الخيال.
فالخيال ليس مجرّد فضاء للتسلية، بل ركيزة في تكوين التفكير واللغة والسلوك.. وهو المجال الذي يستطيع الطفل من خلاله تجربة مشاعر وسيناريوهات لا يقدر على اختبارها في واقعه اليومي.
كما يمكّن الكاتب من تمرير رسائله بلطافة، دون مباشرة أو تلقين، عبر حكاية تمنح الطفل القدرة على الاستنتاج وخلق المعنى.
خلاصة المشهد:
في النهاية، لا يمكن حسم السؤال: من يشكّل من؟
فالطفل الذي يتلقّى الحكاية ينمو بها، لكنه في الوقت نفسه يمنحها حياة جديدة حين يعيد تأويلها بطريقته.
هكذا تبقى قصص الطفولة الأولى مساحة تفاعل ثرية بين خيال الكاتب ووعي الطفل، بين نصٍ يُروى وأذن صغيرة تعيد خلقه.. وفي هذه المساحة يولد الإنسان الثقافي الأول… طفلٌ يتعلّم أن العالم أكبر مما يراه، وأن الحكاية بداية الطريق لا نهايته.
كاتبة سعودية
@7aerh_4