مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

وليد الحداد* بعد سنواتٍ طويلة، سأقف ذات يوم أمام المرآة، سأجد شعيراتٍ بيضاء تسلل …

الموظف الذي نسي أن يستقيل

منذ 6 ساعات

6

0

وليد الحداد*

بعد سنواتٍ طويلة، سأقف ذات يوم أمام المرآة، سأجد شعيراتٍ بيضاء تسللت إلى رأسي دون استئذان، وأكتشف أنني أصبحت أشبه بأبي أكثر مما كنت أظن.

في تلك اللحظة تحديدًا، سأفهم شيئًا لم أفهمه وأنا صغير.

سأفهم لماذا كان يعود إلى المنزل متعبًا ثم يسألنا نحن عن يومنا.

ولماذا كان يضحك على نكتةٍ لا تستحق الضحك.

ولماذا كان يقول دائمًا: “الأمور طيبة”، بينما كانت ملامحه تروي قصةً مختلفة تمامًا.

لكن قبل أن أصل إلى تلك المرآة بسنوات، دعني أعود إلى الوراء قليلًا.

في طفولتي كنت أعتقد أن أبي يملك صلاحياتٍ خارقة.

كان يعرف متى تنتهي أسطوانة الغاز قبل أن تنتهي.

ويعرف أن السيارة ستتعطل قبل أن تتعطل.

ويعرف أنني كسرت الزجاج حتى قبل أن أعترف بالجريمة.

كنت أظنه يعمل في وظيفةٍ غامضة لا أفهمها.

يخرج صباحًا ويرجع مساءً، وفي منتصف الشهر يبدو هادئًا، وفي آخره يبدو أكثر هدوءًا، كأن الحساب البنكي يختفي تدريجيًا بينما يحاول هو إخفاء اختفائه بابتسامةٍ اقتصادية مدروسة.

كنت أعتقد أن المال يسكن في جيبه بشكلٍ طبيعي، كما تسكن المفاتيح في الأقفال.

ولم أفهم يومها كيف يستطيع رجلٌ واحد أن يدفع فاتورة الكهرباء، ومصاريف المدرسة، وإصلاح السيارة، وطلبات المنزل، ثم يبقى قادرًا على شراء الآيس كريم لطفلٍ يعتقد أن الحياة كلها تدور حول نكهة الفانيلا.

أتذكر مساءً قديمًا.

انقطعت الكهرباء.

فاجتمعنا حول ضوء شمعة.

تحولت الكارثة الوطنية في نظرنا إلى حفلةٍ عائلية.

أمي تضحك.

وأخي يقلد أصوات الأشباح.

وأنا أطالب بحصة إضافية من الحلوى.

أما أبي فكان صامتًا.

بعد سنواتٍ عرفت أنه كان يحسب في رأسه قيمة فاتورة متأخرة، وإيجارًا مستحقًا، ومبلغًا ناقصًا لا يعرف من أين سيأتي به.

الغريب أننا جميعًا تذكرنا تلك الليلة بوصفها ليلةً جميلة.

أما هو، فربما تذكرها بوصفها ليلةً طويلة.

كان أبي يشبه حكومةً كاملة تعمل من خلف الكواليس.

وزير المالية حين نطلب شيئًا.

ووزير الدفاع حين نخاف شيئًا.

ووزير الداخلية حين تقع مصيبة.

ووزير التعليم حين تأتي نتائج الاختبارات.

وأحيانًا كان يؤدي دور وزارة الطوارئ والكوارث الطبيعية مجتمعة.

لكن الفرق الوحيد أن الحكومات تمتلك متحدثًا رسميًا.

أما أبي فكان يمتلك جملة واحدة فقط:

“إن شاء الله تنحل”.

والمدهش أنها كانت تنحل فعلًا.

لا أعرف كيف.

ربما لأن الآباء يملكون علاقةً سرية مع المعجزات الصغيرة.

أتذكر يوم طلبت منه دراجة.

رفض.

غضبت منه أسبوعًا كاملًا.

أعلنت المقاطعة الدبلوماسية.

أغلقت أبواب الحوار.

ورفعت سقف المطالب الشعبية.

بعد سنوات اكتشفت أنه في الشهر نفسه كان يؤجل شراء نظارته الطبية، لأن ميزانية البيت لا تسمح بالأمرين معًا.

اشتريتُ الدراجة.

وبقي هو يرى العالم ضبابيًا عدة أشهر.

حين عرفت ذلك شعرت أنني لم أكن أركب دراجة..

كنت أركب جزءًا من تضحيته.

ثم كبرت..

وكبر أبي..

هنا حدث الشيء الذي لم أكن مستعدًا له.

الرجل الذي كان يحملني على كتفيه بدأ يمسك الدرابزين عند صعود السلم.

والرجل الذي كان يركض لإنقاذ الجميع صار يتحرك ببطءٍ محسوب.

والرجل الذي كان يبدو لي أكبر من الزمن نفسه بدأت أرى الزمن واقفًا إلى جواره.

لأول مرة شعرت أن الأبطال يتعبون أيضًا.

وأن الجبال، مهما بدت ثابتة، تخفي في داخلها شقوقًا صغيرة لا يراها أحد.

وفي أحد الأيام سألته:

“أبي… هل كنت خائفًا علينا كل هذه السنين؟”.

ابتسم..

تلك الابتسامة القديمة نفسها.

ثم قال:

“كل يوم”.

قالها ببساطةٍ مذهلة، كأنه يخبرني بحالة الطقس.

أما أنا فشعرت أن سنواتٍ كاملة مرت أمامي في لحظة.

فهمت فجأة أن الشجاعة ليست غياب الخوف.

الشجاعة أن تحمل خوفك معك كل يوم، ثم تخرج إلى الحياة كأنك لا تحمل شيئًا.

الآن، كلما رأيت أبًا يمشي مع أطفاله في أحد الأسواق، لا أرى رجلًا يجر عربة مشتريات.

أرى مصرفًا يمشي على قدمين..

وأرى شركة تأمين..

وأرى خطة تقاعد..

وأرى مظلةً ضخمة تتحرك في الشمس..

وأرى قلبًا يستهلك نفسه بصمت كي لا يشعر أحد بالبرد.

لذا أعتقد أن أعظم خدعةٍ مارسها الآباء عبر التاريخ أنهم أقنعوا أبناءهم أنهم أقوياء.

بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

لم يكونوا أقوياء…

كانوا فقط يحبون أكثر مما ينبغي.

ولأن الحب الحقيقي لا يجيد الكلام، ارتدى هيئة الصلابة، ومشى بيننا باسمٍ مختصر من ثلاثة أحرف…

أبي.

* كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود