الأكثر مشاهدة

الحَسَن الگامَح* على سبيل البدء: تعد الأشكال البصرية في الفن المعاصر جسراً يُعبر …

قراءة لوحة الفنانة التشكيلية علا مسعود

منذ 8 ساعات

7

0

الحَسَن الگامَح*

على سبيل البدء:

تعد الأشكال البصرية في الفن المعاصر جسراً يُعبر بنا من التأمل الظاهري إلى عوالم أعمق من الرمزية والدلالات. وفي هذه اللوحة التشكيلية، تأخذنا الفنانة علا مسعود في رحلة بصرية ساحرة تستحضر أسرار الطبيعة وعمق الفضاء الروحي، حيث يلتقي التجريد بالسريالية في نسيج متناغم من الألوان والملمس. عبر استخدام رموز ذات دلالات مكثفة—كالطاووس، والقرص الذهبي المشع، والدوائر الكونية—تخلق الفنانة مساحة للحوار بين الضوء والظلمة، وبين السكينة الداخلية وصخب العالم الخارجي، لتقدم تجربة تشكيلية تتجاوز حدود اللوحة لتلامس مشاعر المشاهد وتساؤلاته الإنسانية.

على سبيل التحليل الفني:

تأخذنا الفنانة في هذا العمل إلى عوالم حالمة تمزج ببراعة بين السريالية والتعبيرية التزيينية، حيث يتصدر المشهد تكوين رأسي ساحر يعتمد على التباين البصري والتناغم الروحي. يخطف البصر فوراً ذلك القرص الشمسي (أو القمري) الأصفر الذهبي الضخم المتربع في أعلى اللوحة، والذي ينشر دفئاً وإشراقاً يتوازن مع عمق الألوان الباردة المحيطة به.

يقف الطاووس الأزرق بوقار في الجزء الأيمن، ملفوفاً بدرجات الفيروزي والأخضر والرمادي، ويلتفت بعنقه بانسجام نحو مركز الضوء. لا يظهر الطاووس هنا كطائر اعتيادي، بل كرمز للجمال السامي، الكبرياء النبيل، والتأمل الروحي. امتداد الخطوط الرأسية النحيلة التي تحمل أشكالاً دائرية تزينية تشبه عيون ريش الطاووس أو الكواكب المبتكرة يضفي حركة وديناميكية رأسية تعاكس انحناءات جسد الطاووس والقرص الدائري الكبير.

على سبيل الرسالة الفنية:

تتجلى براعة الفنانة في الملمس والتقنيات المستخدمة؛ فبينما يمتزج الجزء السفلي الأيسر بنعومة تشبه الضباب أو السحاب، تعج الخلفية الداكنة بتنقيط ألوان وديكورات حلزونية، مما يمنح الخلفية عمقاً كوكباً يشبه غسق الليل أو الفضاء السحري. اللوحة برمتها تعزف لحناً بائناً بين الألوان الحارة المشرقة والباردة الغامضة، لتخلق حالة من السكينة والدهشة، وتدعو المشاهد لرحلة تأملية بعيدة عن صخب الواقع.

تتحول اللوحة على يد الفنانة علا مسعود إلى وثيقة بصرية تحمل رسالة فنية وإنسانية عميقة؛ فهي تقدم دعوة مفتوحة للاستنارة والارتقاء الروحي. تتجلى هذه الرسالة في البحث عن الضوء والأمل وسط الظلمات؛ فالشمس/القمر الذهبي الساطع والنجوم المتلألئة في الخلفية المعتمة تشير إلى أن الجمال والنور دائماً حاضران مهما بلغت ظلمة الواقع أو غموضه. كما تسلط الرسالة الضوء على التناغم التام مع الطبيعة والتأمل الباطني؛ إذ لا يمثل الطاووس هنا استعراضاً شكلياً للجمال، بل يرمز للسكينة، والسلام الداخلي، وأن الجمال الحقيقي يكمن في التأمل والهدوء والترفع عن صخب الحياة اليومية.

على سبيل الرسالة الإنسانية: 

تجسد اللوحة فكرة الارتقاء الذاتي والنظر إلى النور وسط عتمة الظروف؛ حيث تعبر الفنانة عن رحلة الإنسان الروحية والنفسية. فالخلفية الداكنة والغموض الذي يلف أجزاءً من اللوحة يمثلان التحديات، العزلة، أو التخبط الذي قد يعيشه المرء في حياته. وفي المقابل، يقف الطاووس بوقار وهدوء ملفت، لا يلتفت للتشتت أو الظلمة من حوله، بل يوجه نظره كلياً نحو القرص الذهبي المشرق. تخبرنا اللوحة بأن الجمال الحقيقي والكرامة الإنسانية لا يتحققان بالاستسلام للواقع الصعب، بل بالقدرة على الاحتفاظ بالسكينة الداخلية، والبحث دائماً عن الأمل، والتمسك بالضوء الذي يمنح النفس السلام والاتزان.

على سبيل الختم:

تجسد هذه اللوحة للفنانة علا مسعود تجربة جمالية وروحية مكتملة الأركان؛ فهي مشهد بصري أنيق ومساحة تعبيرية مكثفة تُترجم صراع الإنسان الشغوف بالبحث عن السلام والضوء. نجحت الفنانة عبر هذا التكوين السريالي الساحر -بمزج ألوانه الداكنة الهادئة وإشراقاته الذهبية الحارة- في صياغة لغة عالمية تتجاوز الشكليات، لتترك لدى المشاهد أثراً يبعث على الطمأنينة، وتأكيداً على أن الفن يظل دائماً الملاذ والبوصلة التي توجه أرواحنا نحو الجمال والارتقاء الإنساني.

لوحة الفنانة التشكيلية اليمنية علا مسعود

*شاعر وباحث في الجماليات من المغرب

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود