5
0
5
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13512
0
12341
0
12194
0
9660
0

د. هاني العيناوي *
خلف الأبواب المُغلقة لقاعات المحاكم ، يتقاطع الزمن بالخيبات والانكسارات .إنها ليست مجرّد مساحات للفصل في الخزايا والخصومات ، بل هي مرآة كاشفة لروح عصرٍ يتبدّل بصمت ، وأرشيفٍ حي تتدحرج بين طيّاته أحلام انهارت وقيم تتآكل .
حين أقفُ أمام ملفات دعاوى الزواج المُعاصرة ، أشعرُ أنني لا أُطالع مجرّد مشكلات زوجية عادية ، بل أُتابع انهيارًا بطيئًا لمعنى السكن ، في عالم باتَيُقدّس البديل ويحتقرُ البقاء .
كثيرٌ من الدعاوى التي تُرفع اليوم ، تبدو في ظاهرها طلبًا للحرية ، لكنها في عُمقها تحملُ سؤالًا آخر أكثر التباسًا : من الأقوى ؟ ومن يملك حق إنهاء العلاقة أولًا دون خسارة كبيرة ؟ وكأن الزواج لم يعد رباطًا يقوم على الشراكة ، بل ساحة اختبار لإثبات السيطرة .
في إحدى الدعاوى التي تابعتها ، لم يكن الخلاف حول حادثة كبيرة أوخيانة واضحة بل حول تفاصيل صغيرة تراكمت بصمت : توقعات لم تتحقق ومقارناتٍلم تتوقف ، ونظرة دائمة إلى ما لدى الآخرين .كانت الحياة الزوجية تُقاس لا بما فيها من سكنٍ ومودة ورحمة ، والتقاء وحضور وتفاهم ، بل بما ينقصها من مقارناتٍ مع حيواة أخرى تُرى من الخارج ولا تُعاش من الداخل .
هنا فقط بدأتُ أستحضر ما كتبه ” زيجمونت باومان ” عن تحول العلاقات في زمن ” السيولة ” . فحتى الزواج ، الذي كان يُنظر إليه يومًا بوصفه ميثاقًا طويل الأمد ، أصبح في بعض الحالات أقرب إلى علاقة قابلة لإعادة التقييم المستمر ، تُختبر يوميًا على ميزان الرضا السريع والنتائج الفورية .
لم يعد الصبر قيمة تلقائية داخل البيت ، بل أصبح خيارًا ثقيلًا على النفس والروح . ولم يعد التفاهم رحلة طويلة من التكيّف ، بل صار يُقاس بمدى السرعة في الوصول إلى الحياة الأفضل . وإذا تأخر هذا الوصول أو تعثّر ، بدأ الملل يتسلل بهدوء ، ثم يتبعه قرار الانفصال كأنه الحل الأسهل .
لقد طغت النظرة الاستهلاكية على العلاقات التي لم تعد تُبنى على فكرة ” نحنُ” ، بل على فكرة ” ماذا أستفيد ؟ وماذا ينقصني ؟
وكأن الشريك لم يعد إنسانًا كاملًا ، بل مشروعًا يجب أن يحقق التوقعات المستمرة ، وإلاّ فقد قيمته .
ولا تكاد أروقة المحاكم تخلو من قصص تنطق بهذا التحول المؤلم ؛ فمنذ فترة وجيزة عُرضت عليّ قضية تختصر هذا الوجع المعاصر كله . رجلٌ ذو مكانة ، يغترب عن بلده ، يتقاطع طريقه مع امرأة فائقة الجمال ، ذات حظوة وعالم مختلف ، تجوب العالم من خلال عملها . ظل يحوم حولها منبهرًا بذلك العالم الذي يظنه بعيد المنال ، حتى أنه ورغم مكانته الرفيعة لم يكن يصدق أنها تقبل به زوجًا .
تزوجها – بعقد شرعي صحيح – لكنه لم يوثقه متعللًا بخشية معارضة أهله وزوجته الأولى التي وصفها بأنها ” قدرٌ لا يستطيعُ الفكاك منه ” وبأنه مجبورٌ عليها لأجل أولاده والمظهر الاجتماعي .
استطاع بلهاثه ووعوده أن يستميل قلبها ، فرضيت بوضعٍ استثنائي ، بل إنها من شدة حبها ورغبتها في الاستقرار ، تنازلت عن أشياء كثيرة كانت تميّز حياتها : تركت عملها الذي تعشقه ، وبدلت حتى طريقة لباسها وحياتها ، فارتدت الحجاب من أجله ، واتفقا على كل تفاصيل هذه الشراكة .
لكن ما إن مرّ شهران على هذا الزواج ، حتى انكشف الوجه الحقيقي ” للرغبة السائلة ” . لقد كان الرجل مهووسًا بالولوج إلى عالمها البراق ، مستهلكًا لبريقه وجاذبيته ، لا طلبًا للمودة والسكن . فلما تحقق له ما أراد ، وصارت في عصمته ، خفُتَ بريق الانبهار ، وبدأ التغيّر الملحوظ : إهمال ، تأخير ، جفاء ، وانقطاع عن الإنفاق .
وحين واجهته بما تحمله في نفسها ، لم يواجهها بصدق الرجال ولا بأخلاق الفرسان ، بل قابلها بالصدود والنكران ، مُتخذًا من غياب التوثيق الرسمي الذي فرضه هو برغبته وبحجة السرية ، ثغرة يهرب من خلالها من أي التزام .
وحين انتهى الأمر بالطلاق ، لم يلتزم بأمر الله في ” إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ” ، بل تصرّف بمنطق التاجر الأناني الذي ظنّ أنه ربح صفقته وخرج منها بلا خسائر ، غير آبهٍ بالقلب الذي احترق ، ولا بالكرامة التي جُرحت ، ولا بالضحية التي تنازلت عن كل شيء ليحصل هو على ما أراد ثم يلفظه متى شاء .
هذه القصة ليست مجرد حالة فردية ، بل هي مرآة فاضحة لزمن يقاس فيه البشر بمنطق المنفعة ، متى انطفأ بريق المصلحة ، سقطت الالتزامات وتهاوت العهود كبيت العنكبوت .
ومن المؤلم أن نرى كيف تتحول بعض البيوت إلى مساحات من الاضطرابات والصراعات ، لأن القدرة على الاحتمال تآكلت تدريجيًا . فكل طرف فوجئ بالصورة التي كان لا يتمناها في الآخر ، وحين لا تتطابق الصورة مع التوقع ، يبدأ الانسحاب الداخلي ، حتى قبل الانفصال الرسمي .
ولا يمكن تجاهل جانب آخر أكثر قسوة ، يتمثّل في أنانية بعض الأزواج أو الزوجات ، حيث تتحول العلاقة إلى مساحة لإثبات الذات على حساب الطرف الآخر ، فتُهدم قيم المشاركة ، ويغيب معنى الشراكة ، لصالح رغبة خفية في الانتصار داخل العلاقة نفسها ، لا في الحفاظ عليها .
وفي هذا السياق ، يبدو الطلاق في كثير من الحالات نتيجة طبيعية لمسار طويلٍ من التراكمات ، لاحدثًا مفاجئًا . لكنه أيضًا في بعض صوره يعكس عجزًا عن الصبر على هشاشة الحياة نفسها ، لا فقط هشاشة العلاقة .
لقد تعلمت من باومان أن المشكلة ليست في فكرة الزواج بحد ذاتها ، بل في العالم الذي يعاد تشكيله حوله . عالم سريع الإيقاع ، يزرع في الإنسان رغبة دائمة في التغيير ، ويقنعه أن البديل دائمًا ممكن ، وأن الأفضل دائمًا في مكان آخر ، وأن الانتظار نوع من الخسارة .
وهكذا بين حرية تفهم على أنها قدرة على التغيير والاستبدال ، واستقرار ينظر إليه كعبء ، تتآكل فكرة الزواج شيئًا فشيئًا ، ليس لأنه فقد معناه ، بل لأن شروط الحياة حوله تغيّرت .
* كاتب من مصر