مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

نجلاء سلامة * في الأوساط القضائية والقانونية، عادةً ما يكون النطق بالحكم بعد الم …

الحكم قبل المداولة

منذ 5 ساعات

12

0

نجلاء سلامة *

في الأوساط القضائية والقانونية، عادةً ما يكون النطق بالحكم بعد المداولة أو المشاورة بين القضاة، وقبل هذه المداولة يكون هناك الكثير من البحث والتقصي والدراسة لكل قضية على حدة، والتأكد من الأدلة المتاحة والبحث عن أخرى قد تفيد في بيان الحقائق التي قد تكون مخفية أوغير ظاهرة للجميع، وكل هذه الأمور تتم عن طريق متخصصين في تلك الامور، فالبحث عن الحقيقة وإصدار حكم في أي قضية ليس بالشيء الهيِّن الذي يمكن إنهاؤه بالتخمين أو الظواهر أو الاحتمالات .

كل تلك الطرق الطويلة والشاقة و كل المراحل السابقة، يقطعها القاضي للحكم في أي قضية، وفي المقابل نرى أحد الأشخاص يقوم بكتابة تعليق أبضع كلمات، أو إصدار حكم على غيره، فقط لأنَّه يرى الأمر هكذا من وجهة نظره أو لأنه خمَّن فقط، لمجرد موقف أو شيء سمعه، أنَّ رأيه هو الصواب تماما، ولا يمكن أنْ يكون هناك صواب آخر أو وجه آخر للحقيقة.

فكل يوم ينشر نشطاء التواصل الاجتماعي عبر وسائل التواصل المتعددة المئات والآلاف من التعليقات على هذا وذاك هذا متهم وذاك بريء، وهذا جيد وذاك سيئ، وعلى قضية قائمة بين اثنين، من منهما الظالم ومن المضلوم، ويستمرون هكذا لساعات، لا عمل يقومون به سوى الحكم على، الآخرين من وجهة نظرهم الشخصية .

هل يعلم هؤلاء الملازمون لوسائل التواصل أنَّ كل تعليق وكل كلمة وكل صورة لا تليق استخدموها ليُعبِّروا بها عن رأيهم المزعوم أنَّه الصواب،سوف يُسألون عنها أمام الله؟ وتلك الأيدي التي تكتب الكلمات يمينًا ويسارًا، هي أول من سيشهد عليهم يومًا ما؟ ا

إحذروا مما تكتبه أناملكم, ومن تعليقاتكم وغير ذلك من التدخل في أمور الآخرين والحكم عليهم من بعيد بلا رؤية أو معرفة بالأمور وحقيقتها، وانتبهوا من التُّهم التي تلقونها يمينًا ويسارًا على أناس أنتم حتى لا تعرفونهم وقد تكونوا لم تلتقوا بهم طيلة حياتكم، وخافوا من الوقوف بين يدي الحكم العدل يوم القيامة، فعدله هو العدل الحق الذي لايمكن أن يماثله عدل آخر، وارتعبوا منْ الخوض في أعراض الناس واستباحتها، لمجرد أنكم نصَّبْتم أنفسكم قضاة على أحوال الناس، ولم تنتبهوا أنكم مجرد أيادي تتسابق إلى الجهل و الذنوب .

الكلام هيِّن، وإصدار الأحكام بجهل أيضًا هيِّن، ولكن تذكروا أنَّ كل شخص ظُلِم بلا سبب، وكل حكم صدر بلا معرفة وتحقيق وتدقيق، وكل شعور بالظلم لَحِقَ بالغير وأذاهم وأضرَّ بهم، لن يمر هكذا مرور الكرام ، لذا فكروا جيدا وسيطروا على أيديكم قبل الكتابة، وألسنتكم قبل النطق, وتوقفوا عن إصدار أحكام مبنية على مقاطع مبتورة، ومعلومات ناقصة، فكم منْ حقٍّ ضاع بسبب تعاطف في غير محله أوتسرع وعجلة لأخذ جانب أحدهم، واتركوا الأحكام لأصحاب الشّأن، واصمتوا كثيرًا، لتتم الأحكام بعد المداولة لا قبلها.

*كاتبة من مصر

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود