5
0
5
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13512
0
12341
0
12194
0
9660
0

أبو بكر بن مخاشن *
ما الحياة إلا بحرٌ لا يثبت له موج، ولا يهدأ له اضطراب، يُلقي إلى شاطئه كل يوم سفنًا جديدة، فما تبلغ جميعها المرسى ولا تنجو كلها من الغرق، والإنسان فيها مسافرٌلا يملك من أمر رحلته إلا عزيمته، أما الرياح التي تدفع سفينته والتيارات التي تعترض طريقه، والعواصف التي تكاد تبتلع أحلامه، فكلها أقدارٌ لا تستأذن أحدًا قبل أن تحلّ به.
ولقد عجبتُ للناس؛ كيف يلتقون كل صباح، فيحسب بعضهم أن الوجوه مرايا للقلوب، وأن الابتسامة عنوان السعادة وأن الصمت دليل الرضا! ولو أنهم علموا أن في كل صدر مدينةً من الآلام، وأن في كل عين حكايةً من الدموع لم تجد سبيلًا إلى الانهمار، وأن أكثر القلوب إشراقًا قد تكون أشدها نزفًا، لما استعجلوا حكمًا، ولا نطقوا بكلمةٍ تجرح إنسانًا لا يعلمون مقدار ما يحمله من أثقال.
أيها الإنسان، أما سألت نفسك يومًا: كم وجهًا رأيت ولم ترَ خلفه إلا الصورة؟ وكم روحًا مرّت بك ولم تعرف أنها كانت تستغيث بصمتها؟ وكم مرةً لُمتَ إنسانًا، ثم لو اطّلعت على سريرته لاستحييت من لومك؟
إننا لا نرى من البشر إلا ظلالهم، أما حقيقتهم فتسكن في موضعٍ لا تبلغه الأبصار، ولا تكشفه إلا يدُ المحنة إذا رفعت عن القلوب أستارها.
ما أقسى الظروف حين تتخذ الإنسان ميدانًا لبطشها! إنها لا تسأله: أأنت مستعد؟ ولا تمنحه مهلةً ليلتقط أنفاسه، وإنما تهجم عليه كما يهجم الشتاء على الغصن اليابس؛ فإن كان قويًّا انحنى ثم اعتدل، وإن كان واهيًا تكسر وسقط، ثم مضى الناس من حوله يقولون: لقد كان ضعيفًا، وما علموا أن أقوى الجبال قد تنصدع إذا طال عليها الزمان.
إن الحياة لا تظلم الناس لأنها تريد ظلمهم، وإنما تمضي على سننها التي لا تعرف المحاباة. فهي لا تنثر الزهور في كل طريق، ولا تجعل الشمس تشرق على جميع البيوت بالقدر نفسه، ولكنها تترك للإنسان أن يصنع من شوك الطريق تاجًا أو يجعل منه قيدًا في قدميه.
أليس من العجيب أن يولد اثنان في يومٍ واحد، فيحمل أحدهما كتابًا، ويحمل الآخر معولًا؟ وأن ينام طفلٌ على وسادةٍ من حرير، وينام آخر على حجرٍ بارد؟ ثم يكبران، فيقال للأول: لقد نجحت بجدك، ويقال للثاني: لقد قصّرت في حياتك! فأين العدل إذا غابت المساواة في البدايات؟
إن المواهب لا تموت لأنها ناقصة، بل تموت لأن الظروف خنقتها قبل أن ترى النور. وكم من عقلٍ لو وجد من يأخذ بيده لغيّر وجه التاريخ، ولكنه ضاع في زحام الحاجة. وكم من شاعرٍ دفن قصائده مع جوعه، ومن عالمٍ باع أحلامه ليشتري لقمةً لأطفاله، ومن قلبٍ كان يستطيع أن يفيض حبًّا، غير أن القسوة علّمته الصمت حتى صار لا يعرف غيره.
ومع ذلك، فإن في الإنسان سرًّا عجيبًا لا تفهمه الحياة نفسها؛ فكلما أثقلته بالمصائب، ولد في أعماقه نورٌ جديد، وكلما ضاقت عليه الأرض، اتسعت روحه، وكلما ظن الناس أنه انتهى، ابتدأ من جديد. كأن الله أودع في القلب قوةً لا تظهر إلا حين تنكسر الأسباب، ولا تستيقظ إلا إذا نامت الآمال.
وهل البطولة أن يعيش الإنسان بلا جراح؟ كلا، وإنما البطولة أن يحمل جراحه كما يحمل الجندي رايته، فلا يتركها تسقط، وإن أثقلها الدم.
لقد رأيت في الحياة من أفقره الزمان، فأغنى الناس بكرامته، ورأيت من أغناه المال، فأفقره الطمع. فعلمت أن الغنى ليس ما تملكه اليد، وإنما ما يملكه القلب، وأن الفقر ليس خلوَّ الجيب، بل خلوَّ الروح من المعنى.
إن أعظم خطيئة يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان أن يحكم عليه من ظاهر أمره؛ فالسطور الأخيرة من الحكاية لا تكشف ما كُتب في صفحاتها الأولى. وما أكثر الذين وقفوا عند النهاية، ولم يسألوا عن الطريق الطويل الذي أوصل صاحبها إليها.
فلا تحتقر عاملًا بسيطًا؛ فلعل بين يديه حلمًا عظيمًا أخفته الحاجة. ولا تسخر من متعثر؛ فلعل سقوطه كان وهو يحمل فوق كتفيه ما تعجز عن حمله الجبال. ولا تغتر بمن علا شأنه؛ فربما كانت الظروف له سُلّمًا، ولو سارت به كما سارت بغيره لما بلغ ما بلغ.
إن الإنسان لا يختار مولده، ولا أسرته، ولا زمانه، ولكنه يختار كيف يواجه ذلك كله. ومن هنا تبدأ كرامته؛ لأن الإرادة هي الوطن الأخير الذي لا ينبغي أن يسقط، فإذا سقطت الإرادة، سقط الإنسان وهو لا يزال حيًّا.
فامضِ في طريقك، وإن أبطأت بك الخطى، ولا تجعل الهزيمة مقامًا، فإنها ليست إلا محطةً يعبرها من عرف معنى الصبر. وإذا ضاقت بك الدنيا، فتذكّر أن الليل مهما طال، فإنه يحمل في أعماقه وعدًا بالفجر، وأن البذرة لا تصبح شجرةً حتى تُدفن في التراب، وأن الذهب لا يخلص من شوائبه حتى يمر بالنار.
وهكذا يمضي الإنسان بين قبضة القدر وسعة الرجاء، يحمل قلبه في كفّه، ويقاوم ما استطاع، حتى إذا انتهت رحلته، لم يكن شرفه فيما جمع من متاع الدنيا، بل فيما حفظ من إنسانيته، وما تركه في القلوب من أثر، وما انتصر به على نفسه قبل أن ينتصر على الحياة.
* كاتب من اليمن