5
0
5
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13513
0
12341
0
12194
0
9660
0

صالح الحسيني *
رأي : صالح الحسيني
مفاتحة:
هل تغرُب شمس السرد ؟!.
ثمّة تساؤل:
هل ما زالت الرواية هي الفن الأدبي الأقدر على التعبير عن الإنسان .. ، الحياة .. ، والعالم، أم أن عصرها بدأ بالأفول أمام وسائل جديدة كالصورة، والسينما، والمنصات الرقمية والسرد التفاعلي؟.
ظهرت هذه الفكرة بكثافة مع التحولات الثقافية والتقنية الحديثة، حين رأى بعض الناقدين والكاتبين أن الرواية فقدت مركزيتها التي تمتعت بها منذ القرن التاسع عشر.
ومن الناحية الأدبية، يمكن فهم العبارة عبر عدة مستويات:
أولاها :
تراجع سلطة السرد الطويل:
كان القارئ -قديمًا – يمنح الرواية وقتًا طويلًا وتأملًا عميقًا، أما اليوم فالإيقاع السريع ووسائل التواصل جعلت المتلقي يميل إلى النص القصير والمشهد الخاطف، ما دفع بعض سالفي الذكر للقول إن «زمن الرواية» التقليدية انتهى.
ثانيها :
منافسة الصورة :
فالسينما، والمسلسلات، والمنصات المرئية أصبحت تقوم بوظائف كانت الرواية تنفرد بها: كبناء الشخصيات
تشكيل العوالم، صناعة الحكاية الممتدة، و التأثير العاطفي ؛ لذلك قيل إن الصورة سحبت البساط من السرد المكتوب.
ثالث المستويات :
تحوّل شكل الرواية نفسها:
فبعض النُقاد – كما أسلفت – لا يرون أن الرواية انتهت، بل يرون أنها تغيّرت: حين ظهرت الرواية الرقمية، و دب السرد المتشظي ، و برز النص التفاعلي
إضافةً إلى شيوع المزج بين الوثيقة واليوميات والتدوينات القصيرة، واللغة البصرية. أي أن الرواية لم تمت، وإنما دخلت طورًا جديدًا.
أما المستوى الرابع و الأخير:
في معنى عبارة ( فقدان الرواية مركزيتها) نقاربه من ناحيةٍ أخرى : فليس المقصود نهاية الرواية، وإنما انتهاء مرحلة كانت فيها الرواية تعبّر عن الإنسان في البيئة القديمة، والمجتمع البسيط، والشكل المتجانس للنص الأدبي من حيث عناصر و لغته و أسلوبه، أما الإنسان المعاصر فأصبح يعيش السرعة التي جاءت له بالتشتت ؛ لذلك صار السرد نفسه متشظيًا، مرتبكاً الأسلوب، متفاوتاً اللغة، قاصراً عن ملىء ذائقة المتلقي و بالتالي إثراء ثقافته.
و من حيث الموقف الأدبي ؛ فكثير من الذين لهم إسهامات بارزة رفضوا فكرة موت الرواية، لأن الرواية تاريخيًا كانت دائمًا قادرة على التكيف. فكلما قيل إنها انتهت، ظهرت أشكال جديدة تعيد إحياءها.
ولهذا فالتعبير الأدق عند كثير من الدارسين ليس: «نهاية الرواية» بل: «نهاية الشكل التقليدي للرواية».
ومن زاوية نقدية (حديثة) يمكن القول إن الرواية ما تزال أكثر الأجناس الأدبية قدرة على: احتواء الفلسفة والتاريخ ومختلف العلوم، كما أنها تمثل الوعي الفردي، وتقوم بتصويرالتحولات الاجتماعية؛ وذلك وفق قدرة ولغة كُتابها ؛ لكنها لم تعد وحدها في مركز المشهد الثقافي كما كانت سابقًا.
والحديث عن «نهاية زمن الرواية» يحمل قدرًا من المبالغة النقدية، لأن الرواية بطبيعتها فنّ مرن يتغذّى من التطورات والتحولات. فكلُ عصرٍ ظنّ أنه تجاوز الرواية، عادت الرواية فيه بصورة جديدة، فمثلاً: في القرن التاسع عشر كانت الرواية ابنة المجتمع نسبيًا؛ مدينة واضحة.. ، عائلة، طبقات اجتماعية، بطل يمكن تتبّع مصيره.
أما اليوم فالإنسان يعيش تدفقًا هائلًا للمعلومات، وتبدلًا سريعًا في الوسائل و العلاقات. ولهذا تغيّرت الرواية نفسها: لم تعد تعتمد دائمًا على الحكاية الخطية أو البطل الواحد أو النهاية المكتملة أو المفتوحة، بل أصبحت أقرب إلى الوعي الواسع بالعالم الحديث. ومن المفارقات أن العصر الرقمي الذي قيل إنه سيلغي حضور الرواية، منحها أيضًا فرصًا جديدة فضمن لها انتشاراً أوسع، و ساعد على تداخل الفنون داخل النص الروائي.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في انتهاء زمن الرواية، بل في فقدان القارئ المتأمل أحيانًا، فالرواية تحتاج صبرًا وزمنًا داخليًا، بينما الثقافة المعاصرة تدفع الإنسان إلى الاستهلاك السريع و لا تمنحه سوى الانتباه القصير، ومع ذلك، حين تقع المشكلات و يتأزم الإنسان يعود غالبًا إلى الرواية؛ لأنها ليست مجرد حكاية، بل محاولة لفهم النفس والعالم والزمن. ولهذا فالرواية لن تنتهي، لكنها ستظل تغيّر جلدها باستمرار، و الذي ينتهي -غالبًا- هو شكلها القديم، و كُلَّما جدَّ فيها جديدٌ أصبحَ قديماً ؛ و يبقى جوهرها الإنساني.
* كاتب من السعودية