مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

سعد البردي * ليس الشعر في جوهره الأول، درسًا يُلقَّن، ولا صناعةً تبدأ من صفحة بي …

الشعر الذي يولد قبل أن نتعلّمه

منذ 11 ساعة

6

0

سعد البردي *

ليس الشعر في جوهره الأول، درسًا يُلقَّن، ولا صناعةً تبدأ من صفحة بيضاء، إنه شيء أقدم من القاعدة، وأخفى من المنهج، وأقرب إلى ذلك السر الذي يجعل بعض الكلمات، حين تخرج من فم صاحبها، تبدو كأنها كانت تنتظر منذ الأزل أن تُقال.

فالإنسان لا يتعلم الشعر كما يتعلم جدولًا من القواعد، وإنما يتعلم كيف يصغي إلى ما كان يسكنه قبل أن يعرف اسمه. قد يتقن الأوزان، ويحفظ أبواب البلاغة، ويعرف مواقع الاستعارة والكناية، ثم يبقى بينه وبين الشعر بُعدٌ لا تقطعه المعرفة وحدها. وقد يملك آخر حسًّا غامضًا باللغة، فتجيء العبارة إليه كما يجيء الماء إلى من يعرف موضع النبع، ثم تأتي الصناعة بعد ذلك لتمنح هذا النبع مجراه، وتعلّمه كيف لا يضيع في الرمال.

ومن هنا تبدو قضية الطبع والصنعة في النقد العربي القديم أعمق من مجرد مفاضلة بين شاعر وآخر، إنها سؤال قديم عن مصدر الإبداع نفسه: هل يولد الشعر في الإنسان قبل أن يتعلمه، أم أن الإنسان يصنع شاعريته بالتدريب؟ وهل يمكن للعلم أن يخلق الموهبة، أم أن وظيفته الأجمل أن يهذبها، ويكشف لها الطريق، ويمنحها أدوات الوصول؟

لقد أدرك النقاد العرب، بحدس نقدي مبكر، أن الشعر ليس جسدًا من القواعد وحدها، وأن العروض لا يهب القصيدة روحها، كما أن البلاغة لا تمنح القلب ما لم يكن فيه أصلًا. كانوا يرون أن هناك شاعرًا تجري القصيدة في لسانه جريان النفس، وشاعرًا آخر يلاحقها في دهاليز التكلف، وبين الاثنين مسافات من الموهبة والتدريب والمران.

ومن هذه المنطقة المضيئة، حيث يلتقي الموروث النقدي بالسؤال الفلسفي عن الموهبة والتعلم، يمكن أن نفهم معنى (المطبوع) و(المتكلف)، لا باعتبارهما حكمين جامدين، بل باعتبارهما حالتين من حالات العلاقة بين الإنسان واللغة.

وهنا تبرز الشواهد التي تركها لنا تراثنا النقدي والشعري، شاهدةً على أن القصيدة قد تولد في الفطرة، ثم تأتي المعرفة لتصقل جناحيها، وأن أعظم الشعراء ليسوا أولئك الذين اختاروا بين الطبع والصنعة، بل أولئك الذين جعلوا الصنعة تبدو كأنها طبع، وجعلوا العلم يختفي داخل المعجزة.

1. بشار بن برد: (والشعر مطبوع فينا)

من أشهر الأدلة ما نُسب إلى بشار بن برد في حديثه عن الشعر والطبع والصنعة. وكان النقد العربي القديم أصلًا يميز بين الشاعر المطبوع والشاعر المتكلف.

وكانوا يقولون عن الشاعر الذي تأتيه المعاني والألفاظ بسهولة: (مطبوع)أي أن الشعر يجري على لسانه بلا تكلف شديد.

2. ابن رشيق والتمييز بين (لمطبوع) و(لمتكلف)

في كتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، يناقش ابن رشيق مفهوم الطبع والصنعة، ويقرر أن الشعراء ليسوا على درجة واحدة من الموهبة.

وهذا مهم جدًا لأن النقد العربي القديم لم يكن يرى الشعر مجرد علم يمكن لأي شخص اكتسابه بالدراسة، بل كان يرى أن هناك استعدادًا وطبعًا يختلف من شاعر إلى آخر.

3. الجاحظ: الشعر لا يكفي فيه التعلم

الجاحظ في البيان والتبيين يتحدث عن الفصاحة والبيان والملكة، ويشير إلى أن بعض الناس يمتلكون قدرة طبيعية على البيان لا يحصل عليها الآخر بمجرد التعلم.

وهذا ينسجم مع فكرة أن المعرفة بالقواعد لا تساوي الموهبة.

4. الخليل بن أحمد مثال مهم جدًا

وهنا المفارقة الجميلة: الخليل بن أحمد وضع علم العَروض، لكنه لم “يخترع” الحس الموسيقي للشعر. هو لاحظ الأوزان التي كان العرب يقولون بها شعرهم أصلًا، ثم استخرج نظامها وقنّنها.

وهذا يدل على أن الشعر العربي كان موجودًا بوصفه ملكة وممارسة قبل أن يتحول إلى علم نظري.

5. المتنبي نموذج واضح لفكرة (الطبع)

عندما تقرأ شعر المتنبي تجد أن النقاد كثيرًا ما تناولوا مسألة الطبع والصنعة عنده. والمتنبي نفسه لم يكن مجرد حافظ لقواعد العروض والبلاغة، قوته الأساسية كانت في القدرة على توليد المعنى والصورة والحكمة بصورة تكاد تكون تلقائية.

ومن أشهر ما يُستشهد به:

(الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم)

القضية هنا ليست أن المتنبي لم يتعلم، بل أن العلم عنده خادم للموهبة، وليس مصدر الموهبة وحده.

لكن هناك نقطة مهمة جدًا

الأدب العربي القديم نفسه لا يقول إن الشاعر الفطري = الشاعر الذي لم يتعلم.

بل التمييز الأدق هو:

المطبوع: لديه موهبة شعرية طبيعية.
المتكلف: يعتمد على الصنعة والتعمل أكثر من الطبع.
المتمكن: يجمع الطبع والصنعة.

ولذلك قد يكون الشاعر فطريًا ومتعلّمًا في الوقت نفسه.

إذا أردت دليلًا أقوى، أستطيع أن أعطيك نصوصًا أصلية من ابن رشيق والجاحظ والآمدي وابن طباطبا تتكلم صراحة عن (الطبع)و(الصنعة)، مع شرح ماذا يقصدون بها.

خاتمًا:

ولعل أجمل ما تنتهي إليه هذه القضية أن الشعر لا يسكن طرفًا واحدًا من الإنسان. إنه ليس فطرةً عمياء تستغني عن المعرفة، ولا صناعةً باردة تستطيع أن تستولد الروح من العدم. إنه اللقاء النادر بين ما يُولد معنا وما نتعلمه، بين الصوت الأول الذي لا نعرف من أين جاء، واليد التي تتعلم، مع الزمن، كيف تمنحه شكله.

فالطبع هو البذرة، والصنعة هي العناية بالبذرة، والطبع هو النار الخفية، والصنعة هي الفتيل الذي يمنحها القدرة على أن ترى نفسها ضوءًا. وإذا كان الطبع وحده قد يظل ومضةً عابرة، فإن الصنعة قادرة على أن تجعل الومضة لغة، وأن تحول الشعور الغامض إلى بناء يمكن للآخرين أن يسكنوه.

ولهذا لم يكن الخليل أقل شاعرية لأنه وضع للعروض قوانينه، ولم يكن المتنبي أقل فطرة لأنه عرف أسرار اللغة؛ بل ربما كانت العبقرية في أن تتحول المعرفة، عند الشاعر الكبير، إلى شيء لا نشعر به. أن يعمل العلم في القصيدة كما يعمل القلب في الجسد: حاضرًا في كل شيء، غائبًا عن العين.

الشاعر العظيم، في النهاية، ليس من لا يتعلم، ولا من يتعلم فقط، بل من يبلغ من العلم مبلغًا يصبح معه العلم طبعًا ثانيًا، ومن الصنعة مرتبةً تختفي فيها الصنعة.

هناك، في تلك المنطقة التي تتصالح فيها الموهبة مع المعرفة، لا تعود القصيدة سؤالًا عن: من أين جاءت؟
بل تصبح جوابًا أكثر جمالًا: لقد جاءت لأن في الإنسان شيئًا كان يريد أن يقول نفسه.

وهذا هو سر الشعر الأكبر: أن اللغة، في لحظة نادرة، لا تكون شيئًا نصنعه نحن، بل شيئًا يبدو كأنها كانت تعرفنا قبل أن نعرفها .

*كاتب سعودي

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود